أجمل عرض في العالم

0
360

ستار كاووش ….
ماذا لو سنحت لشخص ما فرصة مشاهدة أجمل عرض في العالم؟ ما وقع ذلك عليه، وكيف سيعيش اللحظة الجمالية التي وهبها له القدر؟ وهل سيتغير شيئاً بداخل هذا الشخص حال خروجه من المسرح، بعد أن تَمَلَّكَهُ الجمال وتماهى معه؟ شخصياً أستطيع القول بأني قد حضرتُ البارحة أجمل عرض شاهدته في حياتي كلها، وربما يمكنني القول بأنه أفضل عمل مسرحي يعرض الآن في العالم. إنها المسرحية الهولندية (الجندي البرتقالي)، التي رغم توقعي جمالها وتأثيرها، لكن بعد حضوري العرض تأكدتُ أن الأعمال العظيمة مازالت ممكنة الحدوث، وأن السحر الذي يجعل روحك تهتز، مازال موجوداً بهيئة فن صافي وأخّاذ وفريد، شيء ما يفوق التوقعات، مسألة تهبط هكذا من السماء لتلون كل شيء بالفتنة.
وهكذا هو الفن العظيم والحاضر، إنه ضوء ينبثق كنبي واثقاً بنفسه، مثل شمس ليس بإستطاعة أحد إيقاف شروقها. عرفتُ الكثير من الجمال وشاهدتُ العديد من الابتكارات الفنية التي خرجت عن السائد، لكني لم أخبر أبداً جمالاً كالذي شاهدته البارحة، حين إلتمعت المواهب العظيمة بوهج الفطنة والدراية والتجديد، وأمطرت السماء باقات من الزهور، وأنا أتابع عرضاً استثنائياً لا أريد له الانتهاء ولا التوقف.
وحتى لا يظن القارئ الكريم بـأني قد أبالغ في ذلك، أو أبدو مندفعاً أكثر من اللازم، فسأتحدث عن بعض السحر الذي رأيته بعيني وكيف كنت أحاول أن أثبت أصابعي المرتجفة على حافة الكرسي، وهي تتشابك مع بعضها في ظلمة المسرح.
لأول مرة في تاريخ العروض المسرحية، تضمن العرض الذي شاهدته، طائرة حقيقية وسيارة حقيقية ودراجات نارية حقيقية وسفينة، وليس هذا فقط، بل يشمل العرض بحراً حقيقياً تتلاطم أمواجه، حيث يبحر الأبطال بزورق حقيقي أيضاً، ويوشكون على الغرق، ليعودوا سباحة بإتجاهنا نحن الجمهور، والماء يخر من ملابسهم وأجسادهم، وقد أصابتنا الحيرة والعجب عن كيفية حدوث ذلك، وهذا كله ليس خدعة مسرحية أو فيلم يتداخل مع العرض، ولا عرض ثلاثي الأبعاد، بل جميعه حقيقي وتابع للمسرح الذي بُنيَ هنا بشكل خاص، وهو يفتح كل جوانبه ليتفاعل مع هذه التفاصيل والأحداث، بحيث جعلني أعيش في حياة أخرى وأجواء لا يمكن تخيلها، في هذا المسرح الذي يتحرك بشكل دائري وبدرجة ٣٦٠ درجة كاملة، وحتى الكراسي التي كنا نجلس عليها كمشاهدين بدأت في بعض الأحداث تتحرك وتميل للأعلى والأسفل في مشهد السفينة التي تبحر في بحر الشمال، وكأننا نشارك البطل رحلته.
المسرحية تتحدث عن الحب والمبادئ وقت قيام الحرب العالمية الثانية، حيث يقرر بطل المسرحية إيريك رولوفسما الدفاع عن قيم هولندا، بلده الذي ولد فيه وأحبه. وقد أقيم العرض على مسرح هنغار الذي بُنِيَ خصيصاً في مطار قديم بمدينة كاتفايك القريبة من بحر الشمال، حيث توفر هناك كل ما يتطلبه هذا العرض النادر. يتسع المسرح لألف ومائة مشاهد، وتستمر المسرحية ثلاث ساعات، وقد شاهدها حتى الآن ما يقارب الثلاثة ملايين مشاهد، وهي تُعرَضُ منذ تسع سنوات متواصلة، وبهذا تكون أطول مسرحية عرضت في تاريخ هولندا، وليس هذا فقط بل يتكرر العرض مرتين في اليوم، وبفريقَي عمل مختلفين، ويتغير هؤلاء الممثلون أيضاً كل سنة، وذلك لحجم الجهد والطاقة التي يحتاجها العرض، بحيث تناوب على دور بطل المسرحية ثمانية عشر ممثلاً من أهم ممثلي المسرح الهولندي، وهذا أيضاً شمل باقى ممثلي الأدوار المهمة الباقية.
تتحرك كراسي الجمهور ويدور المسرح لتظهر عشرات الغرف والقاعات والأرصفة والأماكن الأخرى، فمرة نشاهد قاعة الدراسة، وأخرى يظهر لنا قصر الملكة، الفندق، البحر، الساحل، مقهى ليلي …وهكذا تتداخل الأحداث والأماكن بشكل باهر. وبعد هذا النجاح العظيم ستنتقل المسرحية الى لندن، حيث ينشغلون الآن في بناء مسرح خاص للعرض يشمل كل مواصفات العرض الهولندي.
إنتهى العرض، وعدتُ الى المرسم تنتابني الكثير من المشاعر والعواطف، كنت كمن يمشي على أطراف أصابعه ويكاد يطير. لا أعرف كيف أصف حالتي بالضبط، لكن الشيء الأكيد بالنسبة لي هو إنني عدتُ الى المرسم وقد تغيرت أشياء كثيرة في داخلي، نعم لقد عدتُ شخصاً آخر.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here