كيف فهمت زهاء حديد مقولة: نهاية الجغرافية

0
264

د.هاشم عبود الموسوي …
لا شك وأن ما يحفزنا على التفكير في مبرّرات تجديد أدوار المثقف و المبدع ، دخول العالم زمنا جديدا بات يعرف بزمن النهايات: نهاية الحرب الباردة، نهاية التاريخ، نهاية الجغرافيا، نهاية الإيديولوجيا، نهاية المثقف، نهاية الفلسفة الخ…، وهي مقولات شكلت نهاية الألفية الثانية بيئة ملائمة لاستنباتها وتخصيبها، وإن كانت مقولة النهايات ليست فكرة جديدة ، حيث وجدت جذورها في الميثولوجيا الإغريقية، وفي الديانة المسيحية وفي الخيال العلمي. ولم يخل التراث الإسلامي هو أيضا من حديث النهايات وعلامات الساعة، سواء في النص القرآني والمتن الحديثي، أو في فكرة المهدي المنتظر الذي يخرج في آخر الزمان. كما ينشط حديث النهايات في التاريخ عند اشتداد الأزمات والانهيارات الاقتصادية، والكوارث الطبيعية، أو عند عتبة المآزق السياسية والتصدعات الاجتماعية، أو عند حدوث أزمات داخلية في العلوم الاجتماعية.
بيد أن مفهوم النهايات لا ينبغي أن يقرأ بالمفهوم التبسيطي للنهاية باعتبارها أفولا واندثارا، أو توقفا في مسار الحراك البشري أو نهاية للكون. إنه يحيل على ضرورة التغيير في الأدوار والوظائف التي تلائم الطفرات المعرفية الجديدة بعد أن تكون الأدوار السابقة قد شاخت وترهّلت، وبلغت منتهاها وفقدت صلاحيتها. النهاية هنا تلبس مفهوم الانقلاب الوجودي، والانفتاح الكوني الذي يتعرض فيه العالم لتحولات تنقلب معها القيّم والمفاهيم، وتتغير المشاريع، وتتفكك فيه الأشكال السائدة، والقيّم المتداولة القديمة والحديثة، وتدخل أزمتها العميقة التي تستدعي المراجعة والمساءلة والفحص والتنقيح وإعادة الحساب لتصل إلى ما يسميه مؤرخ الحضارات أرنولد توينبي بالتحدي والاستجابة.
إلا أن حديث النهايات في نهاية الألفية الثانية أصبح مشروعا سياسيا واقعيا توسعيا وملموسا، يستند إلى واقع العولمة ، ويجري تطبيقه وأجرأته اعتمادا على القوة الاقتصادية، والمؤسسات الفكرية والترسانة الإعلامية، بل وحتى العسكرية، مما أعطى لمفهوم النهاية زخمه وقوته التي سمحت بظهور حقبة جديدة على المستوى العالمي، سيتولّد من رحمها ثقافة وقيّم جديدة قد يتعرض فيها المثقف إلى هزّات في فكره وقناعاته، وربما تنعدم فيها اختياراته الحرّة، وعليه أن يستوعبها لبلورة أفكاره وإبداعه ، بما يتلائم ونوازل التطور الوجودي والمعرفي، أو يعاركها ويتحداها بابتكارات فكرية مبدعة.
والجدير بالملاحظة أن العولمة غذّت هذه المسارات “النهاوية” بسبب ما أحدثته من تنميط للأفكار والمفاهيم، تمخضت عنها تحولات حضارية، ونمط جديد للتساكن بين البشر. كما أفرزت تغيرات في خارطة العلاقات بين الأشياء: الإنسان والأحداث، المكان والزمان، الحاضر والذاكرة، الفكر والحقيقة، بحيث أصبحت العلاقات بين الناس علاقات أفقية وتبادلية، أكثر مما هي علاقات عمودية أو سلطوية كتلك التي جرى إنتاجها في التاريخ خلال عصور العبودية والإقطاعية والرأسمالية.
ولم تكن مقولة نهاية التاريخ التي تبناها فرانسيسكو فوكوياما سوى انعكاس لهذا التوجه مع ما تختزنه من حمولة سياسية، إلا أنها جاءت في سياق تناسل نظريات النهايات التي تعكس التحولات العالمية. ورغم هشاشة نظرية فوكوياما، فإن نقطة قوتها تتجسد في محاولة إثبات مصداقيتها وصلاحيتها في التاريخ المعاصر الممتد من الحرب العالمية الثانية حتى سقوط جدار برلين سنة 1989، وانتهاء الحرب الباردة، ووصول العالم إلى ذروته المتمثلة في تعميم ثقافة الليبرالية الديموقراطية، وهيمنة القطبية الأحادية، وانتصار النظام العالمي الجديد، وبداية مرحلة تتميز بسمات جديدة، على المثقف أن يستوعبها.
زهاء حديد السابقة للزمان الآتي :
كنت في زمانٍ مضى ، ورغم أني كثير الإعجاب بتصاميم هذه العبقرية الفذة ، إلا أنني كنت دائما أكرر بأن زهاء في غالبية تصاميمها لا تراعي خصوصيات المواقع وجغرافيتها .. ولكني إحتجت بعد ذلك ، تقريبا عقدا من الزمن.. وبعدما توسعت مداركي في فهم إندفاعات الثورة الرقمية و آفاقها الرحبة .. بدأت أفتش بشكل مركز عن سر جاذبية تصاميم هذه المرأة الآتية من شرق المعمورة لتغزو العالم بإبداعاتها التي تسابقت الدول لإحتوائها .
وأثرت في تغير قناعاتي هذه المقولة النهايوية ألا وهي، مقولة نهاية الجغرافيا التي نحتها الفيلسوف الفرنسي بول فيريليو، والتي تنطق هي أيضا بانقلاب زمني: من عصر “الحرب الباردة” إلى عصر “الهَلَع البارد” تحت تأثير الطفرة التكنولوجية التي قرّبت المسافات الجغرافية أو ألغتها نهائيا، وقلبت مفاهيم تصورات المكان رأسا على عقب بعد الثورة التي تحققت في مجال الصورة، والسرعة الفائقة التي يتمّ بها البثّ، مع إمكانية إظهارها بالأبعاد الثلاثية، وبحركة خفيفة، مما أكسب الجغرافيا أبعادا جديدة لم تكن معروفة من قبل. وبهذه الطفرة التي عرفتها “أقانيم” الجغرافيا، تغيّرت الدلالات الجغرافية للمكان في بعديه المحلي والعالمي، وغدا من الصعب التمييز بينهما بسبب التقارب الشديد، وبفضل انفتاح المحلي على الزمان العالمي، وتواصله المستمر معه على مدار الساعة . .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here