نحن لا نبيع مواقفنا

0
1818

د.حميد الطرفي …
يطل علينا بين الحين والآخر أناس لم يكتووا بنار البعث ولم يذوقوا أو يعيشوا ويلات حكمه ، ربما لأنهم لم يصطدموا معه أو غفلت عنهم عيون الجلادين في ذلك الوقت أو لأنهم كانوا مصطفين معه فلم ينلهم سوط جلاد أو تضمهم زنازينه أو تلتف على احد ذويهم حبال مشانقه أو يغيب قريب لهم في مقابر مجهولة أو يقلق بالهم بطلب معلومات أمنية أو إهانات يومية في دوائر الفزع والموت وخنق الحريات .
يطل هؤلاء هذه الايام بأصوات خجولة تتساءل عن مخصصات السجناء والشهداء ورواتبهم وامتيازاتهم ولكي يخلطوا السم بالعسل فهم يتباكون على شهداء الحشد الشعبي والقوات الامنية وجرحاهم الذين لم يحصلوا على مثل هذه الامتيازات !!! وبدل أن يطالبوا بأن ترتقي امتيازاتهم – اعني الشهداء والجرحى- الى مصاف اخوانهم شهداء الحكم البعثي وسجنائه يطالبون بالغاء امتيازات السجناء والشهداء !! ولهم ولمن يحمل وجهة نظرهم نقول :
أولا: إننا لم نطالب يوماً بامتيازات خاصة ورواتب عالية ثمناً لمواقفنا التي قارعنا بها النظام السابق فنحن أكبر وأجل من ان نقايض جهادنا بفتات الدنيا البالية وزخارفها وأموالها .
ثانياً : لقد جرت العادة في كل الدول التي تشهد أنظمةً استبدادية ظالمة ثم يزول ذلك النظام ويحل محله نظام ديمقراطي عادل أن تجري عملية مراجعة يتم بموجبها تعويض الضحايا وذويهم ما فاتهم من كسب ومالحقهم من ضرر كون ذلك حق طبيعي تكفله كل الشرائع ومبادئ العدالة اولاً ولتخفيف حالة الاحتقان المجتمعي ومنع الانزلاق الى الثأر الفردي والانتقام الشخصي وبالتالي الدخول بما يشبه الحرب الأهلية ثانياً ومجموع الخطوتين مع مسائلة الجلادين وتقديمهم للعدالة والاعتراف بتلك الجرائم يشكل ما يسمى بالعدالة الانتقالية .
ثالثاً : إن مقدار هذه التعويضات وطريقة صرفها تحدده الدولة وفق مواردها وامكاناتها وموازاناتها وقد جاءت في وقت كان فيه العراق يشهد فائضاً مالياً ضخماً عجزت عن صرفه المحافظات والوزارات . وكان متماشياً مع ما تنفقه الدولة في عدة مجالات ومتى ما اعيد النظر في سلم رواتب الموظفين أو كان هناك أي استقطاع من هذه الرواتب فان شريحتي السجناء والشهداء ستكون أول الموافقين على ذلك رعايةً للمصلحة الوطنية العليا .
رابعاً : إن السجناء وذوي الشهداء يفرقون تماماً بين تلك الأصوات التي لا تود بقاء شهود المرحلة السابقة وتضجر من تاريخهم النضالي لأنها تفضحهم في كل حين وتحذر من نهجهم وأساليبهم يفرقون بينهم وبين المنادين بصدق ونيةٍ سليمة بضرورة التفكير بتقليل الاعباء المالية عن كاهل الدولة في هذه الظروف ويتعاونون مع كل جهد في هذا السبيل .
خامساً : إن شهداءنا الأبرار وما بقي من سيف الجلاد من السجناء السياسيين لم يدر في خلدهم ذات يوم أن يعوضوا عما فاتهم من كسب أو لحقهم من ضرر بل تطوعوا لأداء مهمة الوقوف بوجه الدكتاتورية قربةً لله تعالى خدمةً للدين والوطن وأداءً لواجب الضمير الحي في مواجهة الظالمين وكانت غالبيتهم من الشباب من كليات الطب والهندسة والصيدلة وتعرضوا لما تعرضوا ولن تفلح موازنة العراق كله ان تُعيد لهم ابتسامة طفل فارقها بسبب اعتقال ابيه أو دمعة أم ثكلت بولدها . وهم جميعاً لا يطمعون بذلك ولا زالوا على ذات الطريق بل يتوقعون يوماً أن يعودوا لذات الزنازين التزاماً بنهجهم واعتداداً بمواقفهم التي ترفض الظلم والاضطهاد وسرقة المال العام .
سادساً : نحن من يبادر الى التبرع بكل مخصصاتنا وامتيازاتنا اذا ما أدركنا ان وطننا بحاجة اليها ولكن لا نسمح لمترف أو نفعي أو انتهازي أو نكرةٍ من فلول البعث أن يتقرب الى ذلك ولو تلميحاً وسيجعلنا نطالب بالمزيد لأننا نعد ذلك شكلاً من أشكال عودة الظلم واستفزازاً لمشاعر الامهات الثكالى وتضحيات الأحرار من السجناء وعلى مؤسستنا أن تتحدث بصوتٍ عال في هذا المجال فليس لدينا ما نخافه أو نجامله .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here