رموز الصبر في سجون الطاغية هم رموز الاستقامة في العراق الجديد
تحقيق / احمد رسن …
اصبحت النزاهة معيارا عراقيا متميزا في تقييم عمل المؤسسات الحكومية ، فمنذ ان سقطت الدولة سقوطها الأخير على ايدي رموز النظام الصدامي السابق وحتى اليوم لم يعد أحد يسأل عما تقدمه دوائر الدولة من منجز ، بل السؤال دائما يجري عن مدى تحقق عنصر النزاهة في العمل الحكومي ، فالمؤسسة الحكومية في العراق تدافع عن نفسها امام موجة النهب الرسمي والشخصي لتحافظ على المال العام وتعد ذلك انجازا في غياب الانجازات التي انشئت من اجلها ! وفي مؤسسة السجناء تابعنا ذلك الجهد النوعي والتأسيسي الذي بذلته هذه الأسرة الادارية التي صقلتها تجربة الكفاح ضد النظام الطاغوتي السابق من اجل ترسيخ قيم النزاهة وتنفيذها عبر دوائر واقسام متخصصة ، وقد لا يفقه المتفرجون عن بعد شيئا مهما مما يجري ، ولكن الباحث في هذا الشأن عندما يدخل في اروقتها وبين طاولاتها وملفاتها ويتأمل قسمات اؤلئك الموظفين من رجال ونساء يكتشف ان الجميع يكافحون بشكل يومي من اجل تقديم الخدمة للناس بأفضل شكل ممكن ، وبناء نموذج حديث في الادارة النزيهة ، كنا هناك في تلك الاروقة نتعرف على فوج مقاتل من الرجال والنساء يطارد كل شبح متوقع للفساد او الهدر او التهاون فكان هذا التحقيق المختصر .
النزاهة بين النظرية والتطبيق
منذ اليوم الاول الذي ظهرت فيه الدولة في تأريخ البشرية كمؤسسة كبيرة تدير شؤون الناس وتقنن العيش الجماعي ، ظهر الى الوجود مفهوم النزاهة ، والنزاهة هي ترفع الانسان عن ارتكاب اي عمل يتنافى مع قيمه الاخلاقية ، سواءا كانت تلك القيم نابعة من الدين او من العرف ، او من مدرسة فكرية معينة ، وكانت النزاهة في حياة الفرد مقرونة بالضمير والشعور بالاحترام للذات ، ووجود المثل الاعلى ، وكانت الاديان مصدرا للقيم الاخلاقية ، والاسلام خاتم الاديان ، وفي التنزيل تكرر كثيرا قوله تعالى (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فالايمان يستدعي العمل الصالح والعمل الصالح مقرون بالنزاهة والضمير والاستقامة في الاقوال والافعال تحسبا للمعاد الذي هو اصل في الدين ، وما ارتبط به من وعد ووعيد . ولكن في اعراف الدولة مع الاهتمام بمنظومة الاخلاق يأتي الاهتمام بتطبيق القوانين ، فالقانون في نظام الدولة اجمع على طاعته الحاكم والمحكوم واصبح الفيصل بينهما ، ومثلما تشتمل المنظومة الاخلاقية العرفية او الدينية على الحلال والحرام كمتضادين تشتمل المنظومة القانونية على المسموح والممنوع ، وتعتبر التشريعات الوضعية معايير لتعريف الاثنين ، وهنا يأتي تعريف النزاهة انطلاقا من المعيارين الديني الفردي والقانوني الرسمي ، وفي كلا الحالين تعني النزاهة عدم ارتكاب سلوك ممنوع قانونا او محرم شرعا ، ولكن من الناحية الاصطلاحية اصبحت النزاهة تعني عدم استغلال الموقع الحكومي لمكاسب شخصية او للكسب غير المشروع .
العراق ومستنقع الفساد
شاع الفساد الحكومي في العراق والعالم الاسلامي منذ زمن بعيد ، فكلما ابتعد المسلمون عن عصر الرسالة كانت عناصر الردة الاخلاقية والسياسية تتسع ، وكان موقف الناس من الدولة والولاة خاضعا لاعتبارات الولاء او العداء ، فيستحل البعض اموال الولاة الجائرين ، بينما يرى آخرون ان مال الدولة لكل رعاياها ولا يستباح بظلم الحاكم ، لذلك كان تأريخ الدولة الاسلامية في عهود التمزق السياسي يرافقه تمزق من نوع آخر هو التمزق القيمي ، وشاعت تسمية العالم الثالث التي تعني في بعض وجوهها شيوع الفساد وشرعنته ، وفقدان التشريعات وفوضى القوانين والاضطراب السياسي الذي يمنع ظهور حكومة ثابتة او مؤسسة ذات قوانين ودستور ، وقد سقط العراق في مستنقع الفساد منذ الدولة العثمانية وبعد سقوطها ، واستمر بالتصاعد عبر مايقارب القرن حتى بلغ ذروته في ظل حكم صدام ، فقد كان الفساد في ظل الحكم الصدامي ركيزة من ركائز بقاء السلطة ووسيلة من وسائل تماسك العصابة الحاكمة ، حتى تحول الفساد الى ثقافة اجتماعية وعرف اداري ووسيلة للعيش ، وعندما عاش العراق حصارا دوليا بسبب سياسات النظام السابق استمر عدة سنوات تفشى الفقر والفوضى الاقتصادية ، وانشغلت العصابة الحاكمة في التسعينيات وهي تتنبأ بقرب زوالها بجمع الاموال والتنافس على السرقة والاختلاس ، لذا فقد نشأ في هذه الظروف جيل فاسد من الموظفين ، ملوث الفطرة منحرف الاخلاق معتاد على الفساد ، وقد ادى هذا الواقع الى تطبيع الفساد ومحو النزاهة .
مؤسسة السجناء وامتياز النزاهة
عندما اردنا البحث في مسيرة النزاهة الادارية والمالية في مؤسسة السجناء السياسيين لم يغب عن بالنا ان هذه المؤسسة حظيت باثنين من الامتيازات الخاصة التي جعلتها بعيدة عن اجواء الفساد وتحديات النزاهة ، وجعلتها نظيفة من تلك الامراض الشهيرة التي ابتليت بها الدولة العراقية بعد التغيير وهما :
1- ان مؤسسة السجناء هي من مؤسسات العدالة الانتقالية المسؤولة عن رعاية ضحايا النظام السابق ، ومنحهم هم واسرهم الحقوق المادية والنقدية المنصوص عليها في قانونها ، فهي في نظامها الداخلي تقدم خدماتها للسجناء والمعتقلين والمحجوزين السابقين واقاربهم ، لذا فقد تم انشاء هذه المؤسسة بعد سقوط النظام السابق ، فهي مؤسسة جديدة ليس لديها تجربة سابقة متراكمة من الفساد ورموزه من الموظفين القدامى ، وليس لديها تقاليد ادارية تعتمد على سرقة الاموال بالصيغ المتبعة في الدوائر القديمة .
2- تختلف مؤسسة السجناء عن مؤسسات الدولة الاخرى في طبيعة العاملين الاخلاقية والسلوكية ، فقانون المؤسسة ركز على ضرورة تشغيل السجناء السياسيين في ادارة المؤسسة بكل مديرياتها وفروعها واقسامها الا في الحالات التي تحتاج فيه المؤسسة الى اختصاصات نادرة يتم الاتيان بها من خارج محيط هذه الشريحة ، ومعروف ان شريحة السجناء هي شريحة ممتازة من الناحية الاخلاقية وتمثل طليعة الشعب العراقي المقاوم للطغيان ، ممن نذروا ايام شبابهم لمواجهة النظام السابق فهم مضاد قيمي له ولاخلاقه وسياساته ، ومع ان السجناء هم خليط من الاسلاميين واليساريين واللبراليين والوطنيين الا ان صفة الزهد بالدنيا والترفع عن حطامها كانت صفة جامعة لدى كل السجناء .



























