بيكاسو تحت الشجرة

0
1927

ستار كاووش …

قامت الدنيا ولم تقعد حين سُرِقَتْ لوحة بيكاسو (وجه مع قبعة) من متحف كنستهال بمدينة روتردام الهولندية. جرى البحث عن اللوحة، وتحركت كل الجهات للحصول على معلومات حول اللصوص الذين قاموا بذلك، وجُرِّبَتْ محاولات عديدة للوصول الى خيط يساعد في حل القضية، لكن كل الجهود باءت بالفشل، حيث لم يعثر على أي أثر أو دليل يقود إلـى اللصوص، سوى معلومات تفيد بأن من فعل ذلك هم لصوص محترفون قاموا بنقل اللوحة سراً من هولندا الى بلدهم رومانيا.

عندها تصدت الكاتبة ميرا فيتيكو لهذا الموضوع وجمعت العديد من التفاصيل والملابسات التي تخص السرقة، والتقت بموظفي المتحف، وحاورت خبراء بسوق الفن، وتواصلت مع شرطة سريين، لتضع يدها في النهاية على الكثير من الحيثيات التي صاحبت العملية، وتجمع كل ذلك في كتابٍ يتناول الموضوع من كل جوانبه.

لاقى الكتاب إقبالاً كبيراً لغموض الموضوع وغرابته. ومع الوقت نسي الناس موضوع اللوحة، وغاب الحادث في طي النسيان، حتى وصلت للكاتبة رسالة من مجهول، تخبرها أن لوحة بيكاسو المسروقة، موجودة في قرية كريشي الرومانية، وهي بالتحديد مدفونة تحت شجرة على أطراف القرية، وصاحَبَ الرسالة مخطط مفصل يؤدي الى المكان.

في البداية، ترددت الكاتبة بشأن هذه الرسالة واعتبرتها نوعاً من العبث، وأهملتها فترة من الزمن، لتعود اليها من جديد، وتقرر الذهاب الى القرية الرومانية، يَحدوها الأمل بالعثور على اللوحة. وبسرعة، حزمت حقائبها وسافرت صحبة الصحفي فرانك ويسترمان الى رومانيا، وهي تفكر بتأليف كتاب جديد حول الموضوع، يكون خاتمة للحادث.

وصلت الى القرية وذهبت بشكل سري الى المكان المطلوب، وبدأت تحفر بحذر شديد تحت الشجرة. وهنا كانت المفاجئة العظيمة بإنتظارها، فقد ظهرت في مكان الحفر حقيبة بلاستيكية تشبه ملفاً كبيراً، وبداخلها لوحة بيكاسو. فقامت بحمل اللوحة بكل عناية مع الصحفي وإتجهت الى السفارة الهولندية في بوخارست لتسلمهم إياها مع كل التفاصيل التي صاحبت ذلك.

عادت اللوحة الى هولندا، وأستقبلت الصحافة ووسائل الاعلام هذه الضربة الصحفية بكل حفاوة واحترام وهي تشير الى بطولة الكاتبة التي عانت الكثير لتعثر على لوحة صاحب الغورنيكا.

وبينما كان الخبراء مشغولين بفحص اللوحة والاضرار التي صاحبتها، والصحافة تحاول إيجاد تفاصيل جديدة تتعلق بالموضوع، والكاتبة في مكتبها تبحث عن أفكارٍ حول كتابها القادم.

وإذا برسالة جديدة تصلها، وهذه المرة ليست من مجهول، بل من ممثلَين بلجيكيين يقدمان اعتذارهما لها ويخبرانها بأنهما الَّلذان قاما بإرسال الرسالة الأولى لها، ويوضحان بأن الأمر لا يتعدى الدعابة، وإن لوحة بيكاسو التي وجدتها، هما من قاما بتزويرها والذهاب الـى القرية الرومانية ودفنها هناك تحت الشجرة. وأن سبب قيامهما بذلك، حسب ما أوضحوه في الرسالة هو عرضهما المسرحي الجديد الذي يحمل عنوان (النسخة الاصلية) وهو يدور حول موضوع مشابه لموضوع سرقة اللوحة، وقد فكرا إن ذلك ربما يكون دعاية جيدة لمسرحيتهم التي عُرِضَتْ بالفعل هذا الأسبوع بمدينة أنتفيربن البلجيكية! وقد نفدت تذاكر العرض المسرحي بعد أن تزاحم الناس لشراء البطاقات وهم يحاولون الربط بين سرقة لوحة بيكاسو والمسرحية.

لا أعرف كيف فكر هذان المجنونان بهذه الطريقة كدعاية لمسرحيتهما، ولا أدري هل ستقاضيهم الكاتبة بسبب ذلك المقلب، أم ربما ستستثمر ذلك في قصة جديد وكتاب قادم.

لقد رأيت صورة اللوحة المزعومة، والمرسومة بالباستيل على غرار اللوحة الأصلية، وهي تشبه أعمال بيكاسو، لكن العارف بالفن والمطلع على تقنيات مبتكر التكعيبية، سيعرف بأنها مزيفة، لوجود اختلاف واضح بينها وبين أعمال بيكاسو من حيث إتجاهات الخطوط وسحبات اللون وتحديد الملامح والكثير من التفاصيل الأخرى.

لكن الحق يقال، فاللوحة رغم كونها غير أصلية وفيها فروقات عن أعمال بيكاسو، لكنها مزيفة بطريقة فيها الكثير من الصنعة والاتقان.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here