الشهيدة سلوى البحراني

0
934

حسين الصدر …..
-1-
لا نبالغ اذا قلنا :
انّ الشهيدة سلوى البحراني هي المثال الناصع للمرأة العراقية النبيلة التي اجتمعت فيها من الصفات الحميدة ما تفرّق في مجاميع كبيرة من النساء .
انها كانت شديدة التمـــــسك بأهداب الدين ، والأخلاق ، والقيم السامية .
-2-
فُجعتْ برحيل زوجها في حادث مؤسف وبقيت وفيّةً له ولذكراه ، متشحة بالسواد حداداً عليه ، زاهدة في كلّ الاغراءات الدنيوية، وبذلك استحقت التقدير والاحترام من كل طبقات المجتمع العراقي .
?
وكرّست حياتها لتربيّة ولدها الوحيد وتنشأته نشأة صالحةً مواّرة بعبير التفوق العلمي والاستقامة السلوكية ..
وهكذا كان حالها مع ابنتها أيضاً
لقد عّوضتهما عن حنان أبيهما بحنانها المضاعف، وبذلت كل ما تملك من مواهب وقدرات وامكانات ، ونجحت في ذلك نجاحا ملحوظا .
-3-
اتصلت الشهيدة سلوى البحراني برائدة النهضة النسائية في العراق ، المفكرة المجاهدة الشهيدة (بنت الهدى) وأصبحت من أقرب الناس اليها ، وواظبت على حضور مجالسها ومحاضراتها ، وكانت رفيقَتَها في رحلاتٍ الى الديار المقدسة ، وتأثرت بمنهجها الرصين في التعاطي مع الأحداث ، إحساسا بالمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق الرساليين الطليعيين في عملية التغيير للواقع الفاسد .
-4-
وأيُّ واقع أفسد من أوضاع العراق في ظل الدكتاتورية الغاشمة الظالمة التي كانت جاثمة بكابوسها على صدره ؟ ، حيث خنقت الحريات ، وصادرت الحقوق ، وانتهكت الكرامات والحرمات ، واستهانت بالأرواح والدماء وعبثت بالبلاد والعباد ، وأذاقت المواطنين العراقيين من القهر والقمع والظلم مالم يشهده بنو آدم من أكبر الجبابرة والفراعنة طغيانا واستبداداً في التاريخ .
-5-
لقد اصطفت مع الحرائر العراقيات اللواتي لم يخضعن للطاغوت، ولم يستسلمن لما فرضه من سياسة طائشة ، استهدفت محاربة الفكر الاسلامي الأصيل والشعائر الدينية المقدسة .
وتهشيم الحصون الأخلاقية واعتبار العراق شيئا من أشياء (القائد الضرورة) الذي اختصر العراق بذاته ..!!
-6-
لقد نقمت عليها أجهزة القمع الدكتاتوري، لأنها أصبحت ايقونه المرأة العراقية المتألقة الواعية، الناهضة في مضمار إحداث الصحوة المطلوبة في الوسط النسائي العراقي .
-7-
انّ حركتها الدائبة بين (بغداد) و(النجف) أرعبت الجلاوزة كثيراً ، ذلك أنهم كانوا يغصّون بنشاطات الشهيدة بنت (الهدى) واذا هم الآن أمام نموذج آخر ينتمي بفكره وروحه ومنهجه الى تلك المدرسة أيضاً ..
-8-
لقد كانت للشهيدة ” سولى البحراني” مواقف مشهودة حين ألقت السلطة العفلقية القبض على الشهيد الشيخ عارف البصري ، وكانت في طليعة من زاره ورفاقه في سجن (ابو غريب)، بكل شجاعة وبسالة ، متحدية جبروت السلطة وارهابها .
ثم كان لها موقفها المشرف من عائلته بعد شهادته وكلُّ ذلك زاد من حنق السلطة الغاشمة عليها .
-9-
وبصراحة :
ان الشهيدة (سلوى البحراني) كانت قد فرضت احترامها على جميع طبقات المجتمع لما كانت تتمتع من نبل وانسانية …
لقد كانت لها الحظوة عند كبار الاساتذة في كلية الطب ببغداد، باعتبارها عقيلة زميلهم الراحل الدكتور سلمان تاج الدين ، وكونها ايضا شقيقة الاستاذين الدكتوريْن احسان وزهير البحراني ، وكانت المفزع والملاذ لكــــــثير من الطلاب الذين كانوا يلجأون اليها في مشاكلهم .
ولا أنسى لها -مادمتُ حّياً – موقفا من مواقفها الكريمة التي تكشف بكل وضوح عن سمّو ذاتها ، وعمق انسانيتها :
فقد اتصلتُ بها هاتفياً – بعد أنْ اخبرني الطبيب بان السيد الوالد بحاجة الى أنْ يُنقل الى مدينة الطب ببغداد إثر اصابته بعارضٍ قلبي مفاجئ ، اتصلت بها هاتفيا وطلبتُ منها ان تسارع الى الحصول على ورقة يكتبها أخوها الدكتور احسان البحراني ليتسنى لنا ادخال السيد الوالد في مدينة الطب .
أتدرون ماذا قالت ؟
قالت :
خذ (السيد) الى مـــــدينة الطب وســـــأجلب لك الــــورقة الى مدينة الطب .
وهكذا بادرت مشكورة الى تسهيل المهمة وانجازها بأسرع وقت ممكن طبقا لما تقتضيه الحالة الصحية للسيد الوالد رحمه الله –
وبالفعل التقيتُ بها في مدخل مدينة الطب .. ورافَقَتْني الى الطبيب الاختصائي الذي كان موجوداً آنذاك ، وأوصَتْهُ بما يلزم من العناية الفائقة بالسيد الوالد وقد أدخل السيد الوالد الى (غرفة الانعاش) حيث تبيّن انه مصاب بعجزٍ في القلب وكان يود ان أبقى بقربه ، وهذا مالا يتاح لأحد ..
فساعدتنا الشهيدة سلوى البحراني في الحصول على احدى الغرف المجاورة لغرفة الانعاش ليتحقق للسيد الوالد ما أراد ..
ان هذا الموقف وحده يكفي للتعريف بتلك الذات الطاهرة وخصائصها الباهرة .
-10-
ولا تسل عن الأموال التي كانت تُوصلها الى العديد من العوائل المنكوبة إسهاما منها في تخفيف وطأة الضغوط الاقتصادية عليها ،جراّء فقدها لمن كان يتولى شؤونها من الأحرار الذين فتكت بهم الأجهزة القمعية للدكتاتورية البائدة .
-11-
انها لم تكن تتردد أبداً في تقديم المساعدة الممكنة لمن يحتاجها بمجرد العلم والاطلاع وقبل ان يطلب أصحاب الحاجات منها ذلك .
-12-
ولم تكترث للرسائل التي وصَلَتْها من الأجهزة القمعية – عبر الوسطاء لتخفيف نشاطها الديني والاجتماعي فاستُدعيت الى (الامن العامة) ليُقدّم لها (الثاليوم) الموضوع في الشراب، الذي يُجبر على تناوله من استدعي ، لتبدأ رحلة الموت الشاقة عبر معاناة رهيبة ، تَساقَطَ معها الشعر وتكاثرت الأوجاع والآلام المبرّحة، ذاويةً كما تذوي الزهور، ووافدةً على ربها بثياب الشهادة، شاكيةً اليه ظُلم العفالقة الأوغاد، وكبيرهم الذي علّمهم الإجرام ، لتبقى في ذاكرة التاريخ العراقي مثالاً صادقاً على
عمق الايمان ،ونقاء السريرة ،ونبل المواقف ،وطهر الذات ،والثبات على خط المواجهة للظالمين
ولنختم بما قاله المتنبي :
ولو كان النساء كمَنْ فقدنا
لفضّلت النساءُ على الرجالِ
فلا التأنيث لاسم الشمس عيبٌ
ولا التذكير فخر للهلالِ
تغمدها الله برحمته ورضوانه وسلام عليها في الخالدات .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here