الأزمة السياسية في العراق: الأسباب وآفاق الحل

0
1923

د.حسين السلطاني …
الحلقة السابعة
٤- مبدأ التداول السلمي للسلطة .
هذا المبدأ ، هو الآخر ، أحد المبادئ الأساسية للنظام السياسي الديمقراطي ، واعتماده عمليا يعبّر عن قدر كبير من الإحترام لحق الإنسان في انتخاب نظامه السياسي وحكومته المنبثقة عن إرادته الحرة واختياره الواعي ، وقد اهتدت المجتمعات الإنسانية المتحضرة الى هذا الخيار بعد أن سأمت من النزاعات والصراعات الدامية على السلطة ونتائجها الكارثية ، ووجدت فيه الخيار الأمثل -من الخيارات المتاحة أمامها – لتحقيق الإستقرار السياسي والإنسجام الإجتماعي .
ولكي بتم تطبيق هذا المبدأ بشكل صحيح وتترتب عليه الآثار المنشودة ، لابدّ أن تتوفر الشروط الآتية :
١- معرفة المجتمع بحقوقه .
من أهم حقوق الإنسان في الحياة هو حق الحرية ، بمعنى انه لايحق لمخلوق آخر أن يفرض عليه إرادته بالقوة والإكراه ؛ ولذا قال علي (ع) : ( لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً ) ، ومن مصاديق هذه الحرية أن يتم بناء الدولة وانتخاب الحكومة من خلال إختيار المجتمع واحترام إرادته ، وبطبيعة الحال يكون من حقه أيضا تغييرها إن لم تنهض بمسؤولياتها تجاهه ، إعتمادا على القاعدة المنطقية : ( من له حق الإختيار له حق الإقالة ) وهذه المهمة الخطيرة ، حتى يتحقق لها النجاح وتترتب عليها الآثار المرجوة تستدعي معرفة تامة ووعيا عاليا للمجتمع بما يترتب على عملية الإنتخاب من آثار وعواقب ، فبمقدار ما يمتلك الناخب من معرفة بحاجاته ومتطلباته ، ومسؤوليات الدولة ووطائفها تجاهه وكفاءة المرشحين للمسؤوليات وأمانتهم على حفظها ، بمقدار ما يكون ناجحا في اختيار المؤهلين لإدارة شؤون حياته وتأمين متطلباته المادية والمعنوية ، وإلا سيكون جسرا لتحقيق مآرب الطامحين والطامعين ، مهما كان يحمل من نوايا حسنة وسجايا طيبة .
٢- ان يتحمل المجتمع مسؤولياته بدقة .
وحيث أن مهمة إختيار المتصدين لإمور البلد وإدارة شؤون الدولة أمر خطير ومهمة صعبة ، خصوصا في ظل مجتمع كالمجتمع العراقي الذي يعجُّ بالمشاكل المعقدة ؛ بسبب الظروف الإستثنائية التي عاشها في ظل الأنظمة الإستبدادية التي تعاقبت على حكمه لقرون من الزمن ، فهذه المهمة كما أنها تستدعي وعيا ناضجا تستدعي كذلك شعورا عاليا بالمسؤولية ، وإرادة صلبة في مواجهة الواقع وتحدياته المتنوعة ، ففي معترك الإنتخابات سيواجه المجتمع أنماطا متعددة من الأحزاب والشخصيات تسعى لكسبه والفوز بصوته بأساليب متعددة ، بعضهم بالإقناع والتأثير الإيجابي ، وبعضهم بالترغيب والخداع ، ويصل بعضهم الى حد الترهيب إن لم يطمإن بالفوز بالأساليب الآخرى ، ففي مثل هكذا واقع لايمكن لمجتمع ان تكون إختياراته دقيقة وبالتالي يبني نظاما سياسيا سليما ويختار حكومة صالحة مالم يكن متمتعا بدرجات كبيرة من الوعي وشعور عالٍ بالمسؤولية ، وان لم يتحق هذان الشرطان فكل الضمانات الأخرى – من قانون الإنتخابات وقانون المفوضية وغيرها – غير كافية لتحقيق النتائج المرجوة من وراء إجراء الإنتخابات ، التي هي الإسلوب الأمثل للتداول السلمي للسلطة ، لا أريد أن أقلل من أهمية وضرورة إتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان نجاح الإنتخابات ، بل أريد القول أنها غير كافية لتحقيق النجاح دون توفر الوعي لدى المجتمع بأهميتها وشروط نجاحها أولا وتحمل المسؤولية التامة تجاه سلامتها ثانيا . ومهمة الناخب بضرورة حسن الإختيار كما هي ضرورية إبتداء وأثناء العملية الإنتخابية هي ضرورية إسمرارا من خلال المراقبة الواعية لأداء الدولة وشخوصها ، ووسائل تحقيق هذا الهدف متعددة ، منها ممارسة النقد البناء الذي يؤشر على السلبيات ويطالب بمعالجتها ويحدد الإيجابيات ويثني على أصحابها ولذلك أسميت المراقبة بالمراقبة الواعية تعريضا بالمنهج المتبع حاليا في تقييم الأداء فهو تقييم يضع جميع العاملين في الدولة بخانة واحدة ويدعو إلى إقصائهم جميعا ، ويرسخ الهوّة والخصومة بينهم وبين أبناء المجتمع ، وهذا منهج أقرب للهدم من البناء ، وسأتعرض الى ذلك مفصلا في الحلقة المخصصة للحديث عن الإعلام وأثاره في ما وصلت إليه العملية السياسية الراهنة في العراق .
بقي أن أشير أخيرا : أن كل الكلام الذي دار حول النظام الديمقراطي هنا أو في الحلقات السابقة أو التي ستأتي هو حول بعض الآليات العملية لهذا النظام وليس المضمون الفكري له ، فذاك حديث أخر لسنا بصدد الخوض فيه .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here