صفعة القرن

0
1270

عبد الامير المجر …
من بين ما قاله الرئيس الأميركي ترامب، في مؤتمره الصحفي، الذي جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، عند إعلانهما (صفقة القرن) في واشنطن ما معناه: إنّ العرب والمسلمين، اخطأوا، عندما رفضوا الاعتراف باسرائيل، حين اعلانها في العام 1948 ،وان حروبهم اللاحقة ضدها لم تكن لها ضرورة
كلام ترامب الذي اتى بعد اعترافه بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وبضم الجولان لها كذلك، خلافا للقرارات الدولية، يعيد إلى الأذهان ما حصل في العام 1948 عندما قامت عصابات (الهاغانا) التي قادها يهود متطرفون، أمثال بن غوريون وبيغن وشامير، وأمثالهم، وبالتزامن مع إعلان دولة إسرائيل، بارتكاب مجازر في أكثر من بلدة وقرية فلسطينية، من تلك التي أصبحت بعد التقسيم، من حصة إسرائيل.
وكانت تلك المجازر مقدمة مفزعة لمسلسل من التهجير، تم تنفيذه وفق خطة موضوعة مسبقا، ولعل مجزرة دير ياسين، التي كانت المفتتح الدموي لهذا المسلسل، أريد منها تهجير أكبر عدد من العرب وإفراغ مناطقهم لجلب أكبر عدد من اليهود، سواء من مواطني البلدان العربية أو من مناطق العالم المختلفة. وكانت هذه المجازر سببا في إثارة الراي العام العربي وحتى الدولي، وقتذاك، إذ خرجت التظاهرات المطالبة بنجدة الفلسطينيين، فوجدت الأنظمة العربية نفسها أمام استحقاق سياسي وأخلاقي كبير، يفرض عليها الذهاب بجيوشها إلى هناك لإيقاف تلك الأعمال الوحشية، لكن اللعبة كانت متقنة ومخطط لها بشكل جيد، والأنظمة العربية نفسها كانت مرتهنة الإرادة، فكانت حرب العالم 1948 بمثابة تكريس للوضع الجديد، لا سيّما بعد القبول بالهدنة.
تكشفت الأوراق في ما بعد، وبالتدريج، فحرب العام 1967 جاءت في سياق خطة تستهدف وضع اليد بالكامل على القدس، التي ظل وضعها غير محسوم، عند تقسيم فلسطين، وكان هناك خط فاصل، ظل يقسم المدينة، شرقية وغربية، حتى عدوان العام 1967 حيث أصبحت تحت سيطرة إسرائيل بالكامل، مع أن قرارا من مجلس الأمن الدولي يطالب إسرائيل بالانسحاب، ليس فقط من القدس الشرقية، بل من جميع الأراضي التي احتلتها في تلك الحرب، وهو ما لم تلتزم به إسرائيل حتى الآن، بل اضافت الى نازحي العام 1948 أعدادا أخرى ممّن نزحوا بعد عدوان 1967، ولم تسمح لهم بالعودة الى ديارهم، خلافا للأعراف الدولية.
قرار الجامعة العربية في مؤتمر قمة بيروت العام 2002، الذي اعلنت فيه الدول العربية اعترافها بإسرائيل مقابل العودة الى حدود الخامس من حزيران العام ،1967 كان بمثابة إقرار بالأمر الواقع، وبعدم القدرة على دحر إسرائيل، بسبب الخلل الكبير في توازن القوى، لا سيّما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي كان هو الآخر يناور بهذه القضية سياسيا، ولم يبع العرب سلاحا ستراتيجيا يتفوق على السلاح الإسرائيلي، كونه يعترف بها، ولايسمح بدحرها عسكريا.
في الأحوال كلها، وانطلاقا من منطق السيد ترامب نفسه، كان على إسرائيل بالمقابل، أن تعترف بالدولة الفلسطينية التي أقرها التقسيم في العام 1947، وتنفذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، والانسحاب من الأراضي التي احتلتها، في الضفة الغربية والجولان، لكي يتحقق السلام، لكنها لم تفعل، وظلت تجد، وباستمرار، ضرورة لشن أكثر من حرب، على الرغم من انتفاء هذه الضرورة بالنسبة للعرب، من الناحية العملية، ومنذ مؤتمر مدريد الشهير في العام 1991، الذي لم يكن سوى استعراض أميركي إسرائيلي للسلام، بعد تدمير العراق، وليس بداية لعملية سلام حقيقي.
لكن كل هذا يبقى في جهة، والتشرذم العربي والإسلامي، غير المسبوق، في جهة أخرى، فهناك أنظمة ترفع شعارات تحرير فلسطين منذ عقود، لكن بعد أن تحرر الدول الاخرى من أنظمتها! فالإسلامية منها، تريد أن يكون أنموذجها هو السائد، وتعمل على الإطاحة بالأخرى الكافرة! و(التقدمية) تريد لـ(الرجعية) أن تزول لتقيم بدلها أنظمة تقدمية مثلها! و(المعتدلة) تريد لـ(الراديكالية الثورية) أن تسقط وبأي ثمن وتعمل بلاهوادة ضدها! وهكذا صارت المنطقة عبارة عن غابة من عداء مستحكم، فالجميع يعمل على إسقاط الجميع، والجميع، كذلك، يريد أن يحرر فلسطين، لكن على طريقته الخاصة، فضاع الحد الأدنى من الأمل بتحقيق مكسب واقعي للفلسطينيين، بينما إسرائيل تتمدد وتحقق مكاسب حقيقية على الأرض!
ترى، هل جاءت هذه الصفقة بمثابة صفعة قوية للأنظمة العربية والإسلامية التي عبثت طويلا بمصير شعوبها وبقضية فلسطين معا؟ أعتقد أنها الآن تعيش تحت تأثير الصفعة، وحين تصحو ستشتبك حتما مع بعضها، فكل نظام سيحمل الآخر مسؤولية ماحصل ويستمر المسلسل والصفعات!

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here