الحكومة الانتقالية..مهام محددة،وتحديات مشددة

0
1289

عبد الزهرة محمد الهنداوي …
يقول العراقيون في أمثالهم: “كل تأخيرة وبها خيرة”، ولعل هذا المثل ينطبق على واقعنا اليوم، فبعد تأخير طويل، نجح رئيس الجمهورية بتكليف السيد محمد توفيق علاوي، لتشكيل الحكومة الانتقالية، التي لن تكون مهمتها سهلة على الإطلاق، فثمة تداعيات كبيرة وخطيرة يشهدها العالم والمنطقة والعراق، تتطلب وجود حكومة عراقية قوية، قادرة على اتخاذ القرارات المهمة، التي ترقى إلى أهمية وخطورة تلك التحديات.
فنحن اليوم أمام الزحف الخطير لجائحة “كورونا” الجديد، الذي فتك بالصينيين، بعد دخول اتفاقنا معهم (النفط مقابل الاستثمار) حيز التنفيذ! وهذا الوباء المرعب بحاجة الى اجراءات على مستوى عال، لتأمين الحدود من احتمالية اختراقها من قبل الفايروس المثير للهلع. و على ذكر الاتفاق النفطي فإنه هو الآخر بحاجة الى تفعيل سريع، بعيدا عن تهديدات “كورونا” واتباعه، لا سيّما بعد انتشار شائعة مفادها أن الأميركان هم من صنع هذا الفايروس، وأرسلوه الى الصين، في إطار الحرب الاقتصادية بينهما، وبالتالي سيكون انقاذ الصينيين من هذا البلاء بيد واشنطن، فهي الوحيدة القادرة على صناعة المصل المضاد له.
وهذه الحكاية، تشبه الى حد كبير، حكاية داعش، وكيف أوجدها الأميركان في المنطقة، ليحولوا بلدانها بعد ذلك الى أكبر سوق لشراء السلاح الأميركي، فضلا عن أن داعش يمثل أعظم عامل لإلهاء شعوب المنطقة، لكي تنسى الوجود الإسرائيلي في فلسطين، بلحاظ صفقة القرن الأخيرة التي أعلنها ترامب الأسبوع الماضي، في استفزاز صارخ لمشاعر العرب والمسلمين، الذين لم يعرهم “ترامب” أيّ اهتمام، على الأقل بوصفهم من الأصدقاء الأبعدين وليس الأقربين!
والتحديات لن تتوقف عند “كورونا” وداعش وصفقة القرن، بل أمامنا تحدٍ آخر، هو الحرب المعلنة بين طهران وواشنطن، التي اتخذت من العراق ساحة لإحدى معاركها، وما نتج عن هذه الحرب من وضع متأزم في البلد، فقد تسببت تلك الحرب بإحداث انشقاق حاد في الطبقة السياسية، كاد يودي بنا الى منزلق خطير، بعد أن اختلفنا بشدة حول وجود القوات الأجنبية في العراق، فمنا من دعا بقوة لإجلائها، وعزز هذا الموقف قرار مجلس النواب، الذي غاب عن جلسته الرافضون لهذا الإجلاء، معتقدين أن ظروف البلد ما زالت غير مؤاتية لأمر من هذا القبيل، فالانسحاب قد يشجع داعش على الظهور إلى السطح مرة أخرى!
وإذا ما أردنا الاستمرار في عرض واستعراض التحديات، فإن التظاهرات الاحتجاجية التي دعا رئيس الوزراء المكلف الى استمراها لحين تتفيذ مطالبها، وقد أمضت شهرها الرابع، شهد البلد خلالها ارتباكات حادة في جميع المفاصل، ناهيكم عن تلكم الدماء الزكية التي سالت لشباب ما زالوا في عمر الورد استشهدوا في ساحات التظاهر، بعد أن خرجوا مطالبين بإعادة رسم الواقع العراقي بنحو مختلف، وكذلك أولئك الأبطال من أبناء قواتنا الأمنية الذين سقطوا شهداء وهم يؤدون دورهم في حماية ساحات التظاهر، بفعل أعمال الشغب والاعتداءات التي شابت التظاهرات، فضلا عن آلاف الجرحى والمصابين من رجال الأمن والمتظاهرين، وهذا هو التحدي الأكبر والأخطر الذي يستدعي رسم خطة واضحة المعالم، توصلنا إلى حلول ترضي الجميع.
أمّا التحدي الآخر، فهو تحدي الموازنة، فها هي أشهر السنة تمر، والبلد ما زال من دون موازنة، ما يجعلنا أمام الخشية من عودة شبح 2014، عندما أخفق الجميع في تمرير القانون، ولنا أن نتصور المشهد الاقتصادي والاجتماعي في ظل غياب قانون الموازنة خصوصا إذا ما وصلنا الى الشهر الرابع أو الخامس من السنة.

وليت الأمر توقف عند هذا التحدي، إذ لا ينبغي تجاهل قضية الانتخابات المبكرة، التي كانت تمثل المطلب الرئيس للمتظاهرين، وما زال هذا الملف يمر بمخاضات عسيرة، قد تتسبب بإجهاضه تماما، ولهذا مطلوب من الحكومة الانتقالية أن تولي هذا الملف اهتماما استثنائيا لكي يتجاوز حقول الألغام التي تحيط به!

كما أن لدينا استحقاقا آخر، وهو إجراء التعداد العام للسكان عند نهاية هذا العام، فقد يواجه تنفيذه مشاكل نتيجة عدم إقرار الموازنة، وشائكية الحقل السياسي، ولا شك أن الجميع يعلمون ويدركون أهمية إجرائه، بعد مضي نحو 23 عاما لم يشهد العراق خلالها تعدادا سكانيا شاملا.
وإزاء ما تقدم، ومع وجود كل تلك التحديات الجسام، التي لن تتمكن الحكومة الانتقالية من معالجتها بالكامل، فعلى الأقل إن تمكنت هذه الحكومة من إكمال مهامها الأساسية فإنها بذلك ستؤسس للحكومة المقبلة التي ستأتي عبر صناديق الاقتراع بانتخابات شفافة لا تشوبها الشوائب، و لعل من أهمّ مهام الحكومة الانتقالية:
1 – التهيئة والتحضير للانتخابات المبكرة، بعد استكمال المستلزمات المطلوبة لذلك وحسم كل الاشكالات العالقة.
2 – إمضاء قانون الموازنة بأسرع وقت ممكن.
3 – إمضاء تنفيذ المشاريع الاستثمارية والتنموية المدرجة ضمن الخطة السنوية.
4 – السهر على حفظ الأمن والنظام .
5 – تمشية أمور البلاد الروتينية الأخرى، وفق الأنظمة والقوانين النافذة.
فإن نجحت الحكومة الانتقالية بإنجاز مهامها المشار اليها آنفاً، فإنها ستكون قد هيّأت الظروف المناسبة للحكومة المقبلة لكي تنطلق على أرضية جيدة، تمكنها من تنفيذ برنامجها الذي ينبغي أن يكون مدعوما من قبل الكتل السياسية ومجلس النواب وساحات التظاهر.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here