الفألُ الحَسِن

0
100

د.حميد الطرفي …
غالباً ما يتأخر ولدي حينما أكلفه بجلب بعض الحاجيات من السوق ، فتلح أمه علي بالاتصال به لمعرفة السبب ، فأكابر مرةً أو مرتين متجاهلاً إلحاحها ، إلا أن سيلاً من الخواطر السيئة تهطل على مخيلتي رغماً عني ، ربما اصطدم بدراجته بعجلة مسرعة ، أو كان سريعاً في قيادة دراجته فدهس رجلاً ماراً ، أو تعرض له رجال المرور فأوقفوه يسألونه عن إجازة سياقة الدراجة أو أوراقها فاقتادوه وهو يتلعثم وخائف فهو لم يزل غضاً طريأً ، لايتحمل هذه الأسئلة ولا يجيد المناورة والكذب ، لا تتوقف تلك الخواطر وعندما أتصل به يقول أنا عائد في الطريق .
طرق الباب ، لماذا تأخرت ؟ يجيب صادفني صديقي فتحدثنا سوياً ، ودردشنا وضحكنا ولو لم تتصلوا لكنت تأخرت أكثر ، هكذا في كل مرة يكون العذر أنه وجد بحبوحة من المرح والفرح ، ونحن نغلي من التفكير السئ . في ساعة متأخرة من الليل رن هاتفي لنصف ثانية وانقطع ، قمت من النوم وعشرات الأسئلة تنهمر على دماغي ، من المتصل ، من الذي توفاه ملك الموت في هذه الليلة ، أكيد إنه قريب ، و…. و… وفي نصف ثانية كانت شاشة الهاتف الذكي مضاءة ، إنه صديق عزيز ، بدأ سيل آخر من الخواطر حول مرضه قبل أيام ، هل ساءت حالته ، هل فقد عزيزاً ، هل ألقي عليه القبض من مجهولين لأنه كثيراً مايشاكس في حواراته ، أم تعرض بيته لعملية سطو ، أسرع لايقاف هذا السيل من الطاقة السلبية ، الوقت لا يسمح بمكالمة ، اكتب له خيراً ان شاء الله ، فيقول سامحني وجدت لك مكالمة سابقة وأردت معرفة وقتها فزل ابهامي الى ايقونة الاتصال فرن هاتفك لنصف ثانية وغلقت الاتصال ، فاجيب في نفسي الحمد لله .
بثانية أو ثانيتين تدفقت كل تلك الاحتمالات السيئة !! زميل آخر في العمل اتصلت عليه عبر الواتس اب فأعلمني البرنامج الأخضر أن زميلي يجري مكالمة أخرى ، انتظرت قليلاً ثم كررت ، وهكذا ثلاث مرات ، اتصلت على رقمٍ آخر فلم يجب ، بدأت التحليلات السلبية ، مغرور ، مكابر ، يضمر سوءً ، لا أبالي ، لاقيمة عنده لزمالة العمل ، تغيرت أخلاقه ، كيف على أن أعاقبه …. الخ ، كل ذلك في خمس دقائق ، ثم اتصل علي معتذراً ، فهاتفه كان عند أولاده في حوار مع اساتذتهم حول الامتحانات ، والمواد التي يدرسونها عن بعد لأن النت مقطوع في البيت ، وهاتفه متصل بالشبكة العنكبوتية عن طريق خط الهاتف ( السيم كارت) اما هاتفه الآخر فقد كان في داخل السيارة .
أقول هل توقع الأسوأ هو سلوك بشري عادةً ، أم إنه مختص بشعب دون شعب ، وبظرف دون ظرف ، هل يتصل بمن نحبهم أكثر ونحترمهم أكثر ، أم بعامة الناس ؟
هل هذه الخواطر التي تنسجها أدمغتنا وعقولنا تعتمد على ما مخزون في ذاكرتها من حوادث سيئة سابقة ؟
لماذا لا تنهال علينا خواطر الفرح والسرور والفأل الحسن بمثل هذه الحالات وما أكثرها في حياتنا اليومية ؟ هل هذا طبع بشري فطري أم مكتسب تختلف حدته بين شخص وآخر ؟

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here