قراءة في كتاب:(من شقوق الظلام) للآستاذ السجين السياسي(ناهض الهندي)

0
672

د.حسين السلطاني …
( الحلقة الثانية )
المطلب الثاني : نبذة عن حياة المؤلف :
ناهض الهندي من عائلة بغدادية ميسورة ، استوطنت العاصمة منذ القرن التاسع عشر ، ولد في تموز 1960 وتلقى تعليمه في الابتدائي والثانوي فيها ، له ولع بالمطالعة منذ سن مبكرة جدا ولم يزل طالبا في الدراسة الابتدائية.
أبدى اهتماما بالشأن العام والشأن السياسي خاصة منذ دراسته المتوسطة مما دفعه لاحقا للتعاون والعمل ضمن تشكيلات المعارضة السياسية لسلطة البعث.
وازداد نشاطه السياسي التنظيمي إثر استشهاد السيد محمد باقر الصدر وانخراط العراق في حرب عبثية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال سني دراسته الجامعية التي ابتدأها في 1979 في كلية العلوم جامعة الموصل ولكنّه لم يكملها إلّا بعد أكثر من ثلاثين عاما وفي تخصص آخر (القانون)بسبب اعتقاله في صيف 1982 مع مجموعة من الطلبة الناشطين في مواجهة النظام وبقائه لما يناهز العقد الكامل في سجون البعث الظالم بظروف قاسية.
كان تأثير المحيط العائلي في اختيار نهج التصدي والمقاومة فعالا على شخصيته وعلى شخصية شقيقه ناظم الهندي الذي تعرض هو الآخر لاعتقالين الأول في أحداث 1979 في تظاهرات التنديد الشعبي باعتقال السيد محمد باقر الصدر وحكم عليه بالسجن لخمسة عشر عاما وأطلق سراحه بعفو عام صدر حينها، واعتقل ثانية في 1982 وأطلق سراحه بعد عدة أشهر.
من أبرز رموز العائلة الشهيد الشيخ قاسم ضيف الذي كان بحسب شهادة الشيخ النعماني في كتابه : ( سنوات المحنة وأيام الحصار ) من المباشرين لعمل خلايا فدائية شكلها السيد الشهيد محمد باقر الصدر (رض) مهمتها اغتيال الطاغية صدام مع الشيخ المجاهد جليل مال الله وقد استشهدا فيما بعد سوية في عملية اقتحام قادتها الأجهزة الأمنية لمحل تخفيهم ونشاطهم السري الذي كانا يقودانه من احد الدور في بغداد.
كما كان للشهيد دور بارز في تنظيم وفود البيعة للسيد الشهيد كونه أحد وكلائه البارزين ويذكره السيد كاظم الحائري في أهم ثلاثة وفود جاءت من بغداد في كتابه الشهيد الصدر سمو الذات وسمو الموقف ص 105 مع وفدي الشهيد سيد قاسم المبرقع ووفد الشيخ النمديّ.
ومن رموز العائلة أيضا الشهيد كاظم ضيف الذي استشهد في عام 1980 في مواجهة عملاء السلطة من الرفاق الحزبيين والجيش الشعبي. وقد تعرضت عائلتي الشهيدين قاسم وكاظم ضيف بأسرها للاعتقال الجماعي من زوجات وأبناء وبنات.
ومن رموز العائلة الشهيد الملا حمزة علوان وهو واحد من وكلاء السيدين محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي (رضوان الله عليهما ) في حي العامل والبياع ورغم تجاوز عمره الثمانين عاما إلّا أنه لم يتوقف عن نشاطه الديني ؛ مما تسبب باعتقاله في الأمن العامة في عام 1981 وقد توفي بعد أيام قلائل من إطلاق سراحه متأثرا بسم قدم له مع لبن طلب منه أن يشربه قبيل خروجه من المعتقل .
كان للبيئة العائلية أثرها الكبير على بلورة شخصية الأستاذ ناهض الهندي وتحديد معالمها ، فكان محبّاً للعلم و التعلم والمطالعة وتواقاً للحريّة منذ سنوات شبابه الأولى ، وأدرك مبكراً خطر النظام الدكتاتوري وآثاره الوخيمة على بناء شخصية الإنسان ودوره في الحياة : ( منذ كنت تلميذاً حاولت جاهداً أن أكشف الغطاء عن خطره الداهم في كل فرصة تسنح لي سواء مع زملائي في الدراسة أو من كنت أتعرف إليهم ، كان التحذير من كارثة أمواجٍ خطرة العالية القادمة لا محالة ، يشكل هاجساً رئيسياً في كل أحاديثي الشخصيّة ….
لم يكن إنضمامي للعمل السياسي الحزبي تأثراً بالآراء السياسية أو الفلسفية إلا هامشياً ، الدافع الحقيقي كان توفري على خاصية لعلها تميّزني عن بعض ليس بالقليل من أقراني، وهي الحساسية الشديدة من غياب الحرية ، حساسية لم تزل تؤرقني ، وهي سبب رئيسي لكل مواقفي تجاه الأحداث والجهات والذوات والأفكار ) ص29
لقد تعرض الأستاذ الهندي الى أبشع إساليب التعذيب وأفظع أنواع الإنتهاكات أثناء التحقيق في مديرية أمن الموصل و لمدّة أربعة أسابيع متتالية، وأبدى خلالها صموداً منقطع النظير، ومقاومة عنيدة تجاه كل الأساليب الوحشية والقذرة التي مورست ضده ونفى نفيا قاطعاً كلّ الإتهامات التي تمّ توجيهها إليه:( توالت ليالي التعذيب متواصلة لأربعة أسابيع ، تقطعها إستراحات إضطرارية، كانوا يحرصون على تمتعي بها لمنح جسدي فرصة للتهيأ و الإستعداد لتلقي مزيداً من التعذيب عندما يصبح هزيلاً جداً لا يقوى على تحمله، وبالأخص ذراعيّ اللتين كانتا تصابان بخدر تام جراء التعليق إلى السقف، وبعد أن تهدأ قليلاً بعض جراحاتي تتكرر الحكاية من جديد، ليس لمرّة واحدة، بل لمرّات كثيرة ، وفي كل مرّة كانوا يسقوني غضب غرائزهم من جوارح هائجة تنفلت تماماً من عقالها كما هو حال الضواري المسعورة ، وكنت أسقيهم بالمقابل خمرة الصمت التي تطيح برؤسهم وتجعلهم أكثر جنوناً ..) ص49.
كل تلك الأساليب الوحشية لم تنل من صلابة الإستاذ الهندي ولم تزعزع ثقته بصواب موقفة وصحة منهجه في تصديه للسياسات القمعية التي مارسها نظام البعث البائد ضد عموم أبناء الشعب العراقي الغيور:( لم أزل غير آسف على مروري بها ( بهذه التجربة ) ولا أشعر بالندم عليها بالمطلق ،ولن أبالغ لو قلت: إن قدّر لي أن أعود بالزمن ثانية أو صادفني موقف مماثل مستقبلاً لوقفت الموقف نفسه بلا أي تردد ، الفارق الوحيد سوف يكون في زيادة الخبرة التي منحتني إياها الأيام الطويلة التي عشتها لحد الآن ،ومع ذلك لم تقوَ على قطع رأسي، رغم فداحة آلام التجربة الكبيرة والمريرة ، خبرة بلا شك يمكنها ان تجنبني كثيراً من فخاخ رجال الأمن السياسي، وأيضاً سوف تعفيني من مصاحبة الخونة و الضعفاء ) ص30
نعم كل هذه التجربة المريرة لم تنل من ارادة الأستاذ ناهض الهندي ، ولم يأسف على خوضها ، وكاد صموده وصبره وثباته وذكائه في مراوغة أساليب المحققين الماكرة أن تلحق هزيمة نفسية كبيرة بعدوه في تلك المواجهة غير المتكافئة ، لولا موقف الضعف والخذلان الذي أصاب أحد رفاق دربه، فبدّد كل جهوده في المقاومة والثبات ومكّن خصمه منه ،بعد أن زرع اليأس في نفسه من أن يحصل على مراده ، الأمر الذي سبب له جرحاً عميقاً، وحزناً مستديماً واسفا بالغا وحسرة لا يزال يعيش لوعتها وآلامها بحرارة: ( جمدت الدماء في عروقي من هول المفاجأة وحجم الخيانة التي لم أجدلها مبرّراً حتى اليوم، فكل شيء كان بالإمكان تجنّبه ،بل أصلاً لم يكُن هُناك شي موجود حتى يتجنبه ، تطوّع مجاناً لإلحاق الهزيمة، وهكذا تخسر المعارك، عندما يملأ الرُعب قلوباً خاوية تشمّ الوحوش رعب ضحاياها وتنقض عليهم تنهش لحمها وعظمها و تتركها جيفة في العراء .
حفلات التعذيب التي راقصت فيها بمهارة كُل يراعة الجلادين إنتهت الآن بجلسة صغيرة ) ص70
للاطلاع على الحلقة الاولى
من شقوق الظلام ح1

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here