شيء من ذاكرة بغداد .. جائحة الطاعون

0
1402

حكمت البخاتي …
تفشى الطاعون في بغداد في سنة 1689م وأسماه البغداديون ” أبو طبر ” وقد فتك بـ ” 100 ألف ” وفق رواية بعض المؤرخين ولعل الـ ” 100 ألف ” هم كل ضحاياه في العراق وليس في بغداد حصرا ، ونجد أن وصف عصابة مجرمة ظهرت في بغداد في سبعينات القرن العشرين باسم أبو طبر هو استعادة لذاكرة بغدادية مأساوية قديمة هي مأساة هذا الطاعون .
ثم عاد الطاعون الى بغداد في سنة 1690م وجاءت العدوى فيه من مندلي يحملها الهاربون الى بغداد من هذا الوباء الجائح وما لبث أن انتشر في كل أرجاء العراق وكان أشد فتكا ، ثم ما لبث ان اجتاح الطاعون مدينة الموصل في سنة 1737م وأصاب من الأهالي الألف في كل يوم وانتقل الى بغداد فهلك به خلق كثير لم تتوفر احصائية عنهم ثم ظهر هذا الداء الجائح مرة أخرى في بغداد في سنة 1772م وكان قد انتقل اليها من اسطنبول وفي رواية فأنه قد مات بهذا الطاعون في بغداد سبعون ألفا ولعله رقم مبالغ فيه لكن من المؤكد أن خلقا كثيرا قد ذهب فيه وقد أعقبه انقطاع الأمطار في سنة 1775م فامحلت الدنيا وارتفعت الاسعار وعمت المجاعة وسني القحط وفي نهاية تلك السنة عاد الطاعون مرة أخرى وحصد الكثير من أرواح الناس ثم عاود الظهور في سنة 1802م ولم تتوفر احصائية عن هلكى الناس في هذا الداء العضال حتى اذا جاءت سنة 1820م ظهر وباء جديد هو الكوليرا قادما من الهند الى البصرة ويروى انه فتك بخمسة عشر ألف من أهلها ثم اجتاح كل العراق وصولا الى الشمال ومرورا بالوسط والجنوب وكانت حصة بغداد فيها كبيرة .
وقد نقل شاهد عيان هو الرحالة البريطاني جيمس بيلي فريزر الذي زار بغداد في سنة 1838م عن مشاهداته في بغداد بعد جائحة الطاعون الأخرى في سنة 1831م ونقل عن مصادره التاريخية والمحلية في بدأ هذا الوباء في أوائل هذه السنة ووفق روايته تم اخفاءه واهماله من جانب المسؤولين فأدى الى انتشاره واجتياحه البلاد وهي تكشف أن هذا أسلوب كل الحكومات في كل العصور وهو ما شاهدناه في عصرنا الحديث هذا .
وينقل هذا الرحالة عن المقيم البريطاني في بغداد أنه التزم هو وعائلته ومجموع العاملين لديه بالحجر الصحي وتجنب الملامسة وهو ينسب هذا التصرف الى طبيعته الأوربية التي استفادت من تجارب انتشار جائحات الامراض في أوربا واقتدى به بعض المسيحين العاملين معه فنجوا ونجت أسرهم – نذكرها للعبرة – وأما أهل بغداد فانهم ماجوا وهاجوا ولم يتعاملوا برؤية وروية صحية فهلك الكثير الكثيرمنهم ويشرح الرحالة فريزر عقيدة أهل بغداد في القضاء والقدر في مواجهة هذا الوباء وكيف أنهم حين هربوا فانهم نقلوا العدوى معهم الى مناطق الهرب وأنهم كشفوا عن ايمان غير راسخ بالقضاء والقدر الذي يقتضي المواجهة وليس الهرب وهو محق في شرحه وتعليله.
وكان عدد الموتى وفق روايته تبلغ في اليوم الواحد ما يزيد على الألف لاسيما ما بين اليوم السادس عشر الى اليوم الحادي والعشرين من شهر نيسان ولعل بالجمع يبلغ العدد أكثر من سبعة ألف وهو رقم مقبول بحثيا .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here