بر الأمان

0
829

د.كريم شغيدل …
أخيراً رست سفينة النجاة، إن كان يحق لنا تسميتها مجازاً بهذا الاسم المتفائل جداً، وتم التصويت على حكومة السيد مصطفى الكاظمي، وكلنا أمل أن تحقق بعض طموحات الشعب العراقي، ولنكن واقعيين فلا نطمح إلا ببعض ما يناسب المرحلة الحالية في خضم الأزمة الإنسانية التي سببتها جائحة كورونا، وإجراءات الحظر الصحي، والانخفاض الحاد في أسعار البترول، فالعالم برمته يعيش أزمة مزدوجة صحية اقتصادية، وقد يكون العراق استثناء، فقبيل الأزمة كان يعاني من جملة أزمات، وتلك الأزمات أصبحت اليوم من أولويات مهام الحكومة الجديدة، ولعل أهمها ضحايا التظاهرات السلمية والكشف عن الجناة ومحاكمتهم محاكمة عادلة، ثم قضية الفساد التي تكاد تشكل حجر الزاوية لكل أزمات العراق ومشكلاته.
بعض ما أعلن أو سُرِّب من تصريحات ونوايا وإجراءات السيد الكاظمي يبعث رسائل اطمئنان، والشارع العراقي متعطش للاقتصاص من كل الذين أسهموا بتخريب البلد أمنياً واقتصادياً وأخلاقياً، وستكون مهمة إجراء انتخابات مبكرة من أعقد المسائل التي ستواجه الكاظمي وكابينته التي لم تكتمل بعد، فهي المحك الحقيقي الذي يضع النقاط على الحروف، شرط أن تنجح الحكومة في توفير عوامل النزاهة والشفافية وطرد المزورين والحد من تدخلات الأحزاب السياسية وميليشياتها وابتزاز المواطنين وسرقة أصواتهم.
الحكومة الجديدة لا تمتلك عصا سحرية، ولا تستطيع أن تحيط بجمبع ملفات الفساد والتردي، والمتربصون سيضعون العراقيل شئنا أم أبينا، هناك مصالح شخصية وحزبية تقتضي وجود سلاح كثير خارج نطاق الدولة، والإجراءات السريعة التي اتخذها الكاظمي بشأن القيادات الأمنية تلمِّح إلى وجود نية في حصر السلاح بيد الدولة، فالاختيارات المهنية على وفق معايير النزاهة والكفاءة تؤكد حصول متغيرات جذرية في بنية الأجهزة الأمنية وتنظيم مهامها وإجراءاتها الإدارية والميدانية.
ملف السياسة الخارجية ليس بالأمر الهين، بسبب انشطار ولاءات التخادم السياسي بحسب جهات التمويل، وليس أمامنا سوى أن نطمح بالممكن إلى التوازنات التي تحقق مصالح العراق وتحمي أمنه القومي، وبخصوص الأمن المعاشي نأمل أن تتخذ إجراءات ملائمة لتفعيل القطاع الخاص وتوفير فرص العمل، والعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي غذائيا، وإنصاف شرائح المجتمع كافة بتهيئة الأجواء لتوفير الخدمات اللازمة للعيش.
لا ضير من التفاؤل، فقد شهدت الآونة الأخيرة ما يشبه الطوفان، سواء على مستوى الاحتجاجات التي قالت كلمتها وتنتظر الفرج، أم على مستوى الصراعات السياسية وحمى التنافس على الامتيازات والمناصب، أو على مستوى سيادة البلد المخترقة من قوى تدعي بأنها حليفة للعراق، وعلى الحليف أن يحترم سيادة حليفه، فقد أوشك العراق أن يصبح ساحة حرب للقوى المتصارعة، لذا ينبغي حسم ملف تواجد القوات الأجنبية لا سيما الأميركان وإيجاد المسوغات القانونية لشرعنة نوع التواجد وتصنيفه بالإجماع أو إنهائه بالإجماع أيضاً. نعم هي ما يشبه سفينة نجاة، والأنظار ترنو إلى ربانها وطاقمها، فهل ستوصلنا لبر الأمان؟!

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here