المفارقة في ” القضبان لا تصنع سجنا “

0
188
حكمت البخاتي …

حين يبدأ وطننا بالحديث عن نفسه فان حديثه منذ البداية مشحون بآهات شعبه ومسكون بهواجس حزنه ، رافقته أحزان التاريخ منذ مفتتحه وتسمرت في عينيه دموع أبدية امتزجت بحلم اللقاء بالوطن السعيد الذي لم يحين .
هكذا بدا مشهد أسرة كاظم العراقية أصلا ومحتدا حزينا ومحتدما في رواية – وثيقة ” القضبان لا تصنع سجنا ” لكاتبها الأديب والسجين السياسي جبار عبود آل مهودر ، فهذه الأسرة التي عركتها اختبارات الانتماء وصنعت من تاريخها مفارقة كونية في انحرافات المسارات عن الجادات المستقيمة وهي صبغة تاريخنا السياسي في دولنا وعادية أنظمة الحكم فيها التي غرست كل جور الدنيا في حياة مجتمعاتنا ودأبت في انتزاع كل هوية مفارقة للسلطة تنتمي إليها هذه المجتمعات أو تنبت عنها فالدين منتزع إلا بما يوافق الحاكم الجائر والمذهب ممنوع إلا بما يصانع الحاكم الجائر والقومية تنتزع وتتشكل وفق أيدلوجيا الحاكم الجائر وهكذا ينتزع الإنسان أخيرا من إنسانيته حين ينتزع من وطنه ولعل محنة الكرد – الفيليين أو المعبر عنهم إداريا في سياسات الجور ” بالتبعية ” هي التي تكشف عن عمق مأساة هذه المفارقة اللإنسانية فالأسرة الكردية – الفيلية في لحظة تسفيرها أو تهجيرها يقدم نعش ولدها مرملا بدماء الدفاع عن الوطن كما تكشف عنه رواية مذكرات ” القضبان لا تصنع سجنا ” لتؤكد حجم هذه المفارقة اللإنسانية ، وهي أيضا اللحظة التي تكشف عن بدايات أفظع روايات الجور وسياساته التي بدأت مع صعود الدكتاتور الى منصب الرئيس المطلق للعراق في تموز في العام 1979م .
ولذلك كان كاتبنا ذكيا في اقتناص هذه الخاطرة – اللحظة المؤلمة حول سياسات التهجير اللانساني التي مارسها نظام الدكتاتور لتكون البداية في رحلة ذاكرته السياسية لأنها تشكل بداية الجور الممعن الذي حل بأرض العراق .
ويمر مشهد المأساة أمام حاملة الذكريات ” هدى ” تلك الفتاة التي تشكل أو ترمز الى التركيبة النفسية العراقية الحائرة والممزقة بين ولاءات الحزب الجائر وانتماءات الإنسان الحالم بانتصار الفضيلة ومثالية العدل.
هدى التي انفتحت أمامها أفاق التصورات حول الفضيلة وحتمية انتصارها كانت تدخل الى هذا العالم المترع بالفضيلة عن طريق صديقتها ” كرامة ” حين أهدتها رواية ” الفضيلة ” للمنفلوطي ثم أعقبتها برواية ” الفضيلة تنتصر ” للشهيدة بنت الهدى وهي ما كانت تشكل كتاباتها وأفكارها الزاد الفكري والإيماني لمجموعة النساء المجاهدات العراقيات اللائي اتخذن نموذجهن في الحياة صورة السيدة الحوراء ” زينب ” وكانت هناء تشكل قطبهن الثالث في المحور الإيماني الذي واجه نظام الدكتاتور الدموي بكل براءات الفتيات المصنوعة أرواحهن من إشراقات السماء واصطفاءات مريم العذراء وكانت إحداهن على موعد مع الشهادة المبكرة وثانيهما تقضي جولات مع السجون وأشياء من التشرد وثالثة هذا المحور تروي ظمأ العذراى الى الذكر العلي .
وتشكل تلك النقلة في الرواية – المذكرات استمرارية نهج الكاتب في البدء من الزوايا التي تكون أكثر حساسية وأشد تأثرا بفداحة الظلم وسياسة الجور وهنا تكون الفتاة العراقية ذلك النسغ الذي يجس من خلاله الكاتب نبض الحياة الواقعة تحت سلطة الرقابة وتوقعات المصير سجنا أو قتلا .
كانت البراءة الطهرية ساكنة بعمق في ثنايا نفوسهن وكانت تختمر في قلوبهن عقيدة العفاف الدينية مما يدع المواجهة مع أوباش البعث ووحوش التعذيب غير متكافئة بالمطلق ، لكنها المفارقة الكونية في صناعة التحدي الذي يليق بالوجود الحر للإنسان وهنا تتقمص تلك الفتيات النقيات ذلك الوجود الحر الذي لا يقف بوجهه حائل من عرف أو شرط أنثوي أو ضعف مدعى في المرأة ، إنها مفارقة وجودية فعلا هي التي تسمح للكاتب والسجين السياسي آل مهودر أن يضع عنوانا لروايته لذاكرته ” القضبان لا تصنع سجنا ” فمن المفارقة المبدعة حقا أن القضبان لا تصنع سجنا بل تصنع وجودا حرا .
لعله جاء مجسدا في شخصية وصمود المجاهد أبو رحيم ” حيدر كاظم كرم البخاتي ” يقول مهودر ( أراد أن يهزمهم بموته ) أنها ذروة المفارقة في حبكتها الوجودية حين يكون الموت انتعاشا في الوجود الحر ،
يقول أبو رحيم وهو اسمه الحركي بوجه طغام المحقيقين البوليسين ،
( أتحداكم أن تستنطقوني عن لفظ اسمي فضلا عن البوح بأسماء زملائي ) …
وتشهد المفارقة في رواية – ذاكرة ” القضبان لا تصنع سجنا ” تصعيدا قصديا وملحميا في فهم حقيقة الحدث بالنسبة للسجبن السياسي حين يغدوا السجّان السياسي – الدكتاتور هو نفسه حبيس – سجين قضبان الكراهية والتحامل وضيق الإفق باستلابه الحرية من الآخرين هذا المعنى الذي تتضمنه عبارة أشهر سجين سياسي في العالم هو نلسون مانديلا يجعلها الكاتب إضاءة ودلالة فارقة على فصول مهمة من روايته – ذاكرته – وثيقته تتناول أحكام الإعدام الصادرة بغير الحق وأحوال باستيل العراق سجن أبو غريب الذي يفتح الراوي أبواب ذاكرته أمام المتلقي ليصحبه في جولة تفقدية في تاريخ العراق السياسي المعاصر ويزوده بحبكة التوثيق بمعلومات موثقة عن مأساة هذا التاريخ وما صنعه الطاغية – الدكتاتور وتنظيمه السياسي الذي يطلقون عليه البعث بتاريخ العراق وشعب العراق وإنسان العراق وختاما يضع الكاتب والسجين السياسي آل مهودر ملحقا تفصيليا بأسماء السجون والمعتقلات وقوائما مفصلة بأسماء السجناء والأسر المحتجزة قهرا وزورا ،
لقد بذل كاتبنا وصديقنا الأستاذ جبار عبود آل مهودر جهدا مميزا وجادا من أجل توثيق تاريخنا وقضيتنا وله منا كسجناء ومعتقلين سياسيين وافر الشكر وبالغ الاهتمام .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here