قراءة في كتاب (من شقوق الظلام) للآستاذ ناهض الهندي

0
180

ثائر عبد الخالق ….

( ناهض يستنهض ذاته )

(بالأشياء الثقافية ، نبني النظرية ، ونخوض المعارك النقدية ، ونستمتع بها ) رولان بارت.

السجن عالم آخر خلف هذا الكون ، والعيش فيه يبرز الجوهر الحقيقي لهذا العالم، ليس من قوام لهذا الوجود إلا بالحياة ولا قيمة للحياة إلا بالحرية ، ولا يمكن إدراك الشيء، إلا بإدراك ضده وحيثما يوجد الضد يوجد الوعي بحقيقة المعنى وعند غياب الضد لن تعرف إلا مظاهر الأشياء دون كنهها وحقيقة جوهرها .. هذا ما يقوله الكاتب ناهض في كتابه الذي لم يعطه جنسا أدبيا وترك للقارئ تحديد هويته، ومما لا شك فيه إن الكتابة (رسم واكتشاف وابتكار) كما يقول علماء اللسانيات ، فضلا عن هذه الكتابة ظهرت في التسعينيات من القرن الماضي (الكتابة (النوعية) أي بعيدا عن كل صنف أدبي معروف من الرواية والشعر والقصة والنحت والتي اتخذت أسما آخر (الكتابة الجديدة ) ، ولكون الوعي إدراك الذات لوجودها ، والمعنى لا يمكن فصله مما يكونه الوعي بل يسهم في بنائه .

لذا ( كل قراءة تستند إلى أحكام معرفية يمكن من خلالها قول (شيء عن شيء) فالمعاني تبني نفسها من خلال سياق النص ، وهذه تتأتى ارتكازا على التصورات التي تدخل في إنتاج المعنى وتداوله، ولذا من خلال القراءة للنص تستطيع استدراج النص واكتشاف ما لم يكن تصوره من خلال القراءة ، لذا عند القراءة النقدية لنص ما فنحن ننتج معرفة في تعريف النص ذاته ) سعيد بنكراد ، السرد الروائي وتجربة المعنى.

كتاب ( من شقوق الظلام ) يأخذك الكاتب إلى عالمه الحقيقي الذي عاشه ، فهو البطل الأول والأخير بمعنى أننا نتحدث عن بطل (جمعي مضاد) ، بل هو مجموع الشخوص ، لأنه ليس هناك شخص ما يحاوره ( هو المحاور الذي يرد على الضابط المسؤول ) ، فهو الذي يحاور ذاته ويستنهضها ويستنطقها ، وهو الذي يضع المتقابلات لجسده وعذابات روحه وهو الذي يضيف ويعلق ويداوي جراحه و هو الذي يسأل جسده ويحاكيه ويقول : ( أصاب جسمي العطب) لكن بقى عقلي هو الذي يحدد (تصرفاتي) مع الجلاد ، والمفارقة التي يشعرك فيها الكاتب بل يجبرك عليها كقارئ أنك لا تستطيع الخروج من دائرة بل عالم (ناهض الهندي) الذي اعتقل في مديرية أمن نينوى، فهو المعتقل في هذه المديرية يحدثك عن التعذيب وقساوته وردود أفعاله وما يشعر به وما يريد أن يفعله وما فعله في لحظة التعذيب ، فهو يجعلك حاضرا معه ، فهذا عالم ناهض الهندي الذي أدخلك فيه لتشعر بالألم والعذاب الذي تعرض له، ناهض الهندي سياسي ورجل حركي بل كنا نأمل أن نتعرف أو نقرأ عن عمل الخطوط التنظيمية للدعاة في تلك الفترة التي يعمل ضمنها ناهض وإرهاصات الحركة وظروفها حتى ضمن الحدود التنظيمية للعمل السياسي الحركي لذا في اعتقادي الشخصي هو أسلامي ومن الدعاة ، لا أعرف بعدم تصريحه في عمله الكتابي هذا عن مهمته الحزبية وعمله مع مجموعته ليتسنى أن نضع اعتبارات أخرى لتحديد القدرة والقوة والشجاعة والثقافة التي تحلى بها الكاتب في تلك المرحلة ، قد يكون السبب الكبرياء أو عدم البوح من التعالي في تلك الفترة أو يكون للدعاة السياسيين وجهة نظر معينة بالمنتمي واللا منتمي ، ابتدأ مقدمته بكافكا و شعر ناظم حكمت ولينين ومكسيم كوركي وشكسبير والشاعر احمد فؤاد نجم والسياب ، ناهض الهندي يعترف ، لكنه يقول ( لم أكن معنيا بنشر فكر معين رغم انتمائي له، بقدر ما كان محور عملي واهتمامي الأساسي هو رفض سياسة القمع وتكميم الأفواه وحساب الأنفاس التي كان يتبعها النظام بأسلوب قمع فاشي) من شقوق الظلام ص29 ، في اعتقادي الشخصي أن الأستشهادات بمقولات لشخصيات روائية ومسرحية وسياسية وشعراء هو بالحقيقة يدخل ضمن قراءات وثقافة المهجر، لأن ناهض تحدث عن الألم بوصفه ألماَ والعذابات بوصفها انتهاكاَ لقيم الإنسان ولم يتحدث عنها كجزء من عقيدة أو مبدأ بالرغم من كونه يمتلك عقيدة .

مما تجدر الإشارة اليه يجب علينا أن نعنى بدراسة ( حقنا فيما نقر من اعتقادات ، وبوجه أكثر عمومية ، نبدأ بما يمكن أن نسميه بمواقفنا المعرفية ، ونسأل عما إذا كنا نحسن صنعا حين نتخذها ، تشمل المواقف المعرفية اعتقادنا ما نحسب أنه كذلك وما نعرفه، وتشمل في بعد آخر مواقفنا من مختلف الاستراتيجيات والمناهج التي نوظفها في تشكيل المزيد من الاعتقادات ) ج1 ص151 دليل أكسفورد في الفلسفة .

ويقول ناهض :
( دخولي للسجن القليل جدا وربما هو شخص واحد فقط كان يعرف مهمتي الحقيقية والدور الأساسي الذي كلفت به) المصدر نفسه ص 50
من الضروري أن تحتوي الرواية أو القصة أو الكتاب في أي حقل من حقول المعرفة على إظهار الحقيقة ، لأن هذه الحقيقة هي جزء من التاريخ والتراث الثقافي للأمة أو الشعب ، فضلا عما يكتبه ناهض الهندي وهو جزء مهم من حقبة سوداء لا أعتقد أن تترك الكتابة بالرموز، أو للمتخيل أو عدم تعريف المهمة الملقاة على عاتقه أو المكلف بها ، وهي أيضا الذي تعيشه الأمة ، فالحقيقة دائما هي الوضوح ولكي نفهم المعنى (أي الطريقة التي ينتج من خلالها الكائن البشري ، بكل ألوانه في كل بقاع الأرض معانيه ، وكيفية تصريفه لتجاربه وإبداعه كجزء من نفسه في كل ما يحيط بها تبدأ من اللسان الطبيعي مرورا بأشياء الكون وانتهاء بالطقوس الاجتماعية )السرد وتجربة المعنى.

ولكون ناهض سجينا سياسيا ، فقد أصبح حقيقة من حقائق التاريخ الذي يجب أن نستشرف ذاته .

( الحقيقة إني لم أفهم أبداَ كيف أن الأصفر (لون يسر الناظرين )سوءا كان فاقعا أو باهتا ، حتى قبل أن أرى هذه الجدران ) من شقوق الظلام ص77.
إني لا أعرف ماذا يقصد ناهض الهندي بقوله ( لون يسر الناظرين) وهو يعرف أن هذا الكلام ورد في نص مقدس ، ولهذا يرد السؤال ، هل أنتج ناهض الهندي معناه وطقوسه من خلال تجربته التي عاشها في السجن وتعامل مع الأحداث ضمن حدود فهمه ووعيه وإدراكه؟

النص في حقيقة ذاته : إنه يعبر عن وجدان شعب وليس مجرد تنضيد رتيب لكلمات خالية من أي انفعالات جديدة، أو إعادة لبناء كون حدوده معروفة بشكل سابق ولا يضيف تحققه أي شيء.

( ما دام الزمن ذاته لا يمكن أن يدرك إلا من خلال صبه داخل الوعاء القصصي) بول ريكور.

وجل ما نبحث عنه مع ناهض الهندي هو كما يقولون ( خطاب حول الأعمال الأدبية ، خطاب يهتم ، بتجربة القراءة ويصف ويؤول ويقوم بتقدير حجم المعنى وأثره على القراء الجيدين ، القراء الذين ليسوا بالضرورة علماء أو محترفي نقد ، إن النقد يستحسن ويتلذذ ويقدم )جيرار جونيت.

فالناقد قد لا يكون منًظرا ، ولا علاقة له بالنظريات إلا من حيث كونها أداة تعينه على قراءة النصوص وتحديد بعض مداخلها.

النص متعدد القصديات ، كما هي القراءة وكما هي الذات المبدعة ، إن المعنى (المعاني) محصلة هذه القصديات مجتمعة .

أما ناهض فهو يقول ( إن أمنيتي الصوفية قد تحققت وبقيت إلى هذا اليوم لأروي حكايتي التي لم تنته بعد كل فصولها) من شقوق الظلام ص77

إن ما يكتبه ناهض هو حقيقة واقعية ووصف لمأساة مرعبة عاشها في تلك الحقبة المظلمة ، وكما يقول غادامير : إن التفسير بوصفه الجانب اللساني لفعل الفهم ، ويشكل التحقق التام لهذا الفعل ، ويرى أيضا أن هذا التحقق ( ما هو سوى تجسيد للمعنى ذاته، فاذا كان تفسير نص معين والتحدث في معناه يؤدي حقا إلى تجسيد للمعنى ذاته) فعندئذ أن تعد معنى النص مطوقاً بتفسيره وسمى غادامير هذه التفسيرات بـ ( التراث) ، فالأعمال الأدبية تحيا عبر تفسيراتها (عبر تلقيها) وتشكل جزءاً من الاتصال التاريخي الذي هو بحد ذاته لساني الطابع

ولكي أنهي هذه المقالة المتواضعة أرفع القبعة لناهض الهندي معربا عن خالص احترامي وتقديري له ، متمنيا أن يتحفنا بكتاب آخر نرى لغة العشق في ذات ناهض الهندي وأستمحيه العذر بكل أدب واحترام ، راجيا منه أن يغفر لي إذا كنت أخطأت أو تغافلت عن إعطاء حق الكتاب لكني في الوقت نفسه فخوراً جدا ، لهذه القراءة التي سافرت فيها مع ناهض عبر زنازينه.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here