لقاء مع السجين السياسي عز الدين محمد سعيد الحكيم

0
308

حاوره: بشير الماجد ــ ثائر عبد الخالق …
تصوير: احمد محسن …

من الصعب جدا استنطاق الذات أو الولوج في دواخلها وعمقها الشعوري تجاه وجودها الحياتي أو سبر أغوارها المعرفية وخاصة إذا كانت ذات علوية هاشمية مؤمنة، عرفت وجودها من خلال زيها الديني بل عرفت مسؤوليتها الحياتية وقيمة هذه المسؤولية، وخاصة أنها صادرة من مرجع كبير وعمود من أعمدة الأسلام هو الفقيد المرجع الفقيه السيد محمد سعيد الحكيم.

حوار ولقاء ليس للحديث عن المعاناة التي لا قتها أسرة الحكيم في العهد المباد فقط، بل هو هو حوار الرسالة المعبرة عن الألم الذي يعتصر الإنسان العراقي وهو يرى بلده ما زال يعيش في أزمة واضطراب نتيجة الهجمة الخارجية من الدول والأجندات الذين لا يريدون للعراق الاستقرار والخير، حوار عن الهوية والانتماء كما يقول السيد عز الدين الحكيم للعراق وقضيته، بل هو حوار المطالبة باستقطاب الاعلاميين والصحفيين والفنانين والشخصيات الاجتماعية وذلك لتحديد الخطاب السياسي من خلفية معرفة الحقيقة ، فيما أكد : إن مشكلة المتحدثين في الساحة العراقية يمتلكون أسلوب التخريب .

س: سماحة السيد ما تحمله في داخلك عن حادثة الاعتقال الجماعي لأسرة آل الحكيم؟

ــ السيد عز الدين : لا شك إن حادثة الاعتقال تشكل تحولا كبيرا في حياة السيد الوالد (قدس) ، أتت ضمن احداث كبيرة وخاصة تجاه الأسر العلمية ، الأحداث قبل وبعد التي مر بها العراق تعد مشكلة أكبر من قضية ترتبط بأسرة وشخص ، لأن البعث حزب دموي ـ مفرداته عديدة كـ ( المخابرات والأمن العامة والاستخبارات والحاكمية والرئاسة والأمن الخاص ….. الخ) هذه مكونات الشخصية الحاكمة من (صدام إلى أصغر واحد في الحكم) يعدّ صدام رجلا ظالما بل رجلا كارثيا بكل تكوينه.

بداية الحرب ضد الجمهورية الإسلامية كانت الأجواء ملبدة بالخطر، تمشي في الشارع والخوف يحيط بك والحرب مؤثرة في الوضع العام ولا أحد يعرف أين تتجه الأمور ؟، جثامين العراقيين كانت تأتي والدماء تسيل من التوابيت عندما تأتي على العتبات المقدسة، الاعتقالات مستمرة، سياسة النظام كانت تستهدف الأسرة بأكملها، في مدينة النجف الأشرف وفي حينها اعتقلوا الرجل وبقوا في البيت (رجال الأمن والرعب يسيطر على الأسرة، البيت المجاور لبيتنا يسكن السيد (علي الشاهرودي) سفر إلى ايران كونه تبعية ، جاء السيد الشاهرودي إلى السيد الوالد وقال له : هذا البيت أمانة عندكم سيدنا ، لكن الأمن الصدامي اتخذوا من البيت مكتبا لمكافحة الأجرام ، وبدؤوا بتعذيب الشباب المعتقل والجيران يسمع أصواتهم وصياحهم نتيجة التعذيب في الليل ، حاولنا الانتقال إلى بيت آخر ، ورغم ذلك تحملنا صابرين محتسبين هذا الوضع ، بعض الوجوه الاجتماعية الخيرة أتصلوا بالمسؤولين وقالوا لهم : إن المكان غير مناسب ، والبيت يقع في منطقة سكنية ، فجاء الجواب : ( إن المنطقة تحتاج إلى تأديب) وأمثال هذه السياسات تحكم البلد.

س: سيدنا: كيف تم اعتقالك؟

ــ قدم الأمن إلى البيت وطرق الباب في ساعة متأخرة من الليل، قمت وأنا أحمل على كتفي إبنة أخي الكبير السيد رياض، فتحت الباب وإذا برجال الأمن يريدون أن يقتحموا البيت، حاولت تأخيرهم لكي لا أسمح لهم بالدخول مفاجأة على الأسرة، التهمة التي وجهت الينا؟ لدينا هاربون من الخدمة الإلزامية كانت أعمارنا من المشمولين بالخدمة العسكرية وأقرباؤنا كذلك (كان هناك سياق في الحوزة العلمية بشأن الطلبة الحوزويين يعفون من الخدمة كونهم طلبة علم ودين وكانت هذه الموافقات تحصل من قبل المرجع الأعلى) أخذوا السيد الوالد وأخوتي الأربعة السيد رياض ومحمد حسين وأنا والسيد علاء الدين، اقتادونا إلى أمن النجف بحدود الساعة الحادية عشر ليلا بالتوقيت الصيفي، كان بعض من السادة من أسرة آل الحكيم بالزي الديني، سحبوا عمامة أحد رجال الأسرة، وسؤالنا عن دراستنا؟ قلنا لهم: دراستنا حوزوية.

س: هل بقيتم فترة طويلة في أمن النجف؟

ــ لا: اقتادونا بعد اكتمال اعداد المطلوبين من الأسرة فورا إلى الأمن العامة في بغداد، صلينا الفجر في الأمن العامة، بعض أخذوهم إلى الزنزانات وبعض تم وضعهم في الموقف العام في الأمن، بعض الأسماء كان هناك تركيز عليها تتراوح أعمارهم بين 18 ـ 19 ـ 20 سنة، فقد تم عزلهم في زنزانة لا تتجاوز مساحتها 1×1م تجاوز عددهم أكثر من (20) شخصا وبعض الزنزانات (30) شخصا ، بعض الشباب كان بقائهم أكثر من سنة ونصف، شبابنا بقوا شهرين ومن ثم تم نقلهم إلى الموقف العام ، مما يؤلمني كلما أتذكر حالنا في تلك الزنازين ، بعض من شبابنا تفوح منهم رائحة اللحم الميت النتن ، السيد الوالد رأى هذه الحالات ، بحيث امتلأ المكان بالعفونة خلال ثلاثة أيام بسبب الزنزانات المغلقة وعدم وجود منفذ للتهوية ، فقط هناك ساحبة صغيرة في أعلى السقف جهة المرافق ضعيفة الحركة مغطاة بقطعة معدنية ومثقبة كي لا يمسها أحد ، بينما التوقيف العام في شارع (52) كان قاعة كبيرة ومقطعة بقواطع حديدية، عدد الغرف في الموقف (11) غرفة مغلقة ، عندما دخلنا الموقف كان فارغا ، الموقف العام يجمع السياسيين وغيرهم .

المسؤول عن ملف اعتقالنا كان اتصاله ب (صدام) وكان أسم الضابط (حازم أبو درع) مشرفا علينا ، وبدون أي تدخل من المؤسسة الأمنية (الامن والمخابرات والاستخبارات …. الخ)، أخذونا بدون تحقيق، قالوا لنا: وضعناكم في هذه الزنزانات كي لا تعارضوا النظام.

س: كيف تقيمون الوضع العام للبلد والناس تمر بحرب واعتقالات وسجن؟

البلاء الخارجي أكثر من السجن، كان تعرضنا للمخاطر أكثر، هذا ليس ايثار بل قراءة واقعية، كان الوضع قبل سنة 1983 قلقا، ولم يكتب عنه كتابة حقيقية، رجال كبار في السن فقدوا أولادهم ولن يستطيع أهليهم السؤال عنهم؟ لأنه لن يستطيعوا الحصول على خبر عنهم، قبل اعتقالنا عم والدي كان يسكن في العراق وعمي سيد أمين رجل كاسب قدم للعراق تم اعتقاله ولم نعرف السبب، ذهب والده وهو رجل كبير في السن يسأل عنه ، بقي في الاعتقال لمدة (52) يوما خرج من السجن وقد تعرض إلى تعذيب شديد، كان لحم يديه (متهرئ) ، أعتقل لمجرد تشابه أسماء ، أحد السجناء من النجف الأشرف في الموقف العام كان مقررا أن يخرج لانتهاء مدته ، أخي سيد علاء الدين فكر أن يعطيه( مسبحة) تصنع في السجن من بقايا نوى التمر أو خيط البطانية، أخذ الرجل المسبحة لكي يوصلها إلى أهلي عندما يجد فرصة لذلك ، الرجل أوصل المسبحة إلى أخي سيد حيدر بدون أن يكلمه عرفنا ذلك خلال المواجهة مع اهلينا ، قالوا لنا : الرجل أعطى المسبحة بدون أن يتكلم لكننا فهمنا أنكم أحياء ، السيد عبد الصاحب السيد محسن الحكيم وأولاد سيد يوسف السيد محسن الحكيم وابن سيد محمد رضا الحكيم أعدموا (6) من أبنائنا أمام عين السيد محمد حسين بن السيد سعيد الحكيم وهو رجل كبير في السن ، أخرجوه بعد هذه الحادثة وطلبوا منه السفر إلى أيران عن طريق تركيا ليبلغ رسالة للسيد محمد باقر الحكيم بالرجوع للعراق وترك المعارضة ضد النظام ، طبعا الشهيد السيد محمد باقر الحكيم رفض ذلك وقال أنا اعمل بالتكليف الشرعي ، بعد سنتين وفي سنة 1985 تم أعدام (10) من أسرتنا من ضمنهم (3) من أولاد السيد محمد حسين بن السيد سعيد الحكيم ، النظام الصدامي لا يحتمل منافسا له أو ناسا لهم تأثير ، أعطونا استمارات لكي نسجل أسماءنا فيها مكتوب عليها (احتجاز عائلة).

س: لماذا كان الضغط على الحوزة الدينية ورجال الدين من قبل النظام؟

ـ صدام كان يسعى للسيطرة على الحوزة الدينية والعلماء، وبرنامج الحوزة وتقاليدها المعروفة هو عدم دخولها ضمن السلطة الحاكمة، وبالفعل منذ الثمانينيات والحوزة الدينية غيبت عن الشارع بسبب الاعتقالات لطلبة العلم ورجال الدين والفقهاء والعلماء، قبل نقلنا إلى أبي غريب كان استدعاء الـ (10) من أهلنا، وعدم إعادتهم إلى الموقف ساورنا شك بأنهم نقلوا إلى مكان آخر ، بعد شهر أبلغونا بالتهيئة لأنه سوف يخرجوننا ولكن لا نعرف إلى أين ، قبل خروجنا بدقائق أتى شخص إلى الموقف من خارج الأسرة وهو من أهل بغداد، تكلمت معه وسألته باللهجة العراقية (شنو) الأخبار قال لي : إن ال (10) من آل الحكيم تم اعدامهم ، الأسرة كانت تعتقد أنه تم الأفراج عنهم ، أنا الوحيد الذي أعرف الموضوع ولكن لا أستطيع الكلام .

في ختام اللقاء مع سماحة السيد عز الدين الحكيم شعرت بالحزن والألم الذي ينطوي عليه جراء ما حصل لأسرة آل الحكيم فطلبت منه كلمة يود توجيهها إلى أخوته في المعاناة السجناء السياسيين ، قال لي: وصيتي لكل الأخوة أصحاب الرأي والكلمة الحرة أن يوثقوا تاريخهم النضالي لكي تعرف الأجيال حقيقة ما حصل فضلا عن توثيق المرحلة لكي لا تطمس الحقيقة من قبل الأعداء والمزورين ، وانني استثمر هذا اللقاء واوجه تحياتي واحتراماتي لمؤسسة السجناء السياسيين والعاملين فيها وعلى رأسهم الدكتور المجاهد السجين السياسي حسين السلطاني .. وفقكم الله لخدمة العراق وشعبه.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here