
فاضل الحلو
لم تعد عمليات اغتيال القادة الإيرانيين مجرد حوادث معزولة أو عمليات استخباراتية محدودة، بل تحوّلت إلى نمط عدواني ممنهج تتبناه أطراف إقليمية ودولية، على رأسها إسرائيل، وتغض عنه الطرف بعض القوى الكبرى، في محاولة لإضعاف النفوذ الإيراني أو جره إلى مواجهة مفتوحة. لكن الصمت الإيراني ليس علامة ضعف، بل جزء من سياسة محسوبة بدقة، قد تتحول في أي لحظة إلى ردّ مزلزل يعيد رسم توازنات المنطقة.
تصعيد خطير واستهدافات متكررة
من اغتيال الفريق قاسم سليماني عام 2020، إلى سلسلة الهجمات الأخيرة التي طالت ضباطًا رفيعي المستوى في الحرس الثوري ومهندسين في الصناعات الدفاعية والعلماء النوويين، تؤكد إسرائيل – عبر تصريحات غير مباشرة وتسريبات متعمدة – وقوفها وراء تلك العمليات، أو على الأقل دعمها اللوجستي والاستخباري.
كما أن بعض العمليات، التي تمت داخل العمق الإيراني، حملت بصمات تقنيات متطورة وتنسيق داخلي، ما يشير إلى اختراق أمني واسع تقف خلفه أجهزة استخبارات متعددة، في مقدمها الموساد.
الصبر الاستراتيجي… تكتيك له نهاية
على الرغم من الاستفزازات، تبنّت طهران في كثير من الأحيان ما يُعرف بـ”الصبر الاستراتيجي“، مركّزة على ضبط النفس وتفادي ردود فعل قد تؤدي إلى حرب شاملة. لكن هذا التكتيك لم يكن خاليًا من الرسائل:
-
هجمات نوعية غير معلنة في أماكن مختلفة.
-
تصعيد غير مباشر عبر حلفائها في سوريا، العراق، لبنان، واليمن.
-
تطوير قدرات الردع، لا سيما الصاروخية والدفاعات الجوية.
-
تعزيز النفوذ الأمني الإقليمي، كرد غير مباشر على التحديات.
لكنّ التساؤل المطروح اليوم: إلى متى يمكن لإيران أن تواصل هذا النهج دون الإضرار بهيبتها الإقليمية والردع الوطني؟
الاغتيال ليس استهدافًا لشخص… بل لنهج
حين يتم استهداف قيادات أمنية وعسكرية إيرانية بهذا الشكل المتكرر، فإن الرسالة تتجاوز الأفراد إلى ضرب منظومة كاملة من النفوذ والسيادة. لذلك، فإن الرد الإيراني المحتمل لن يكون فقط للثأر، بل لحماية هيبة الدولة ومكانتها كقوة إقليمية وازنة.
كما أن مثل هذه الاغتيالات تُحرج القيادة الإيرانية داخليًا، أمام جمهور يتوقع ردودًا تناسب حجم الاعتداء، خاصة إذا تعلق الأمر بقيادات بارزة ومحبوبة شعبياً، كما كان الحال مع سليماني.
سيناريوهات الرد: أين وكيف؟
الرد الإيراني، إن وقع، قد يتخذ عدة أشكال، بحسب المصلحة السياسية والظروف الدولية:
-
استهداف مباشر لمواقع إسرائيلية أو مصالحها في الخارج (عبر عمليات استخباراتية عالية المستوى).
-
هجمات إلكترونية معقدة تستهدف البنى التحتية الحيوية.
-
تفعيل جبهات الوكلاء في سوريا ولبنان والعراق واليمن، بشكل متزامن ومدروس.
-
استهداف السفن أو المصالح الاقتصادية في الخليج أو البحر الأحمر، كرسالة ردع.
-
إجراءات نووية أكثر تقدمًا للضغط على المجتمع الدولي.
المجتمع الدولي… ازدواجية المعايير
في الوقت الذي يُدان فيه أي رد إيراني بسرعة على الساحة الدولية، يتم التغاضي بشكل صارخ عن الانتهاكات التي تطال سيادة إيران، سواء كانت اغتيالات أو هجمات سيبرانية أو حصارًا اقتصاديًا.
هذا الكيل بمكيالين لا يخلق بيئة سلمية، بل يعمّق الشعور بالاستهداف والظلم، ويعزز منطق المواجهة لدى القيادة الإيرانية.
خلاصة: الصمت ليس نهاية المطاف
إيران لن تبقى في موقع المتفرج طويلاً. فالتاريخ الإيراني في التعامل مع التهديدات يؤكد أن كل اغتيال له توقيت رد، حتى وإن تأخر. وإنّ تراكم هذه العمليات قد يغيّر قواعد الاشتباك فجأة، وينقل المنطقة من حالة الاحتكاك المحدود إلى انفجار كبير لن تملك القوى الكبرى القدرة على احتوائه.
في النهاية، فإن من يظن أن صبر إيران ضعف، لا يدرك أن هدوء البركان لا يعني أنه خمد، بل أنه يخبئ انفجارًا قادمًا… أشد وقعًا وأبعد أثرًا.
Post Views: 128