الرئيسية مقالات حينما تتحول المولات إلى محرقة: قراءة في حريق هايبر ماركت الكوت

فاضل الحلو
في مشهد مؤلم اهتزت له القلوب، استيقظ العراقيون على واحدة من أسوأ الكوارث المدنية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، حيث اندلع حريق مروّع في هايبر ماركت الكوت بمحافظة واسط، أودى بحياة ما يزيد عن 50 شخصًا من الأبرياء وأدى إلى إصابة العشرات، معظمهم من المتسوقين والموظفين.
ملابسات الفاجعة: بين الروايات والتقصير
رغم تضارب الأنباء حول السبب الرئيس وراء اندلاع الحريق، إلا أن التقارير الأولية تشير إلى خلل كهربائي أو انفجار في منظومة التبريد، ما أدى إلى اشتعال النيران بسرعة هائلة داخل المبنى، وسط غياب منظومة إطفاء فعالة، وضعف تدابير الإخلاء والطوارئ.
وبحسب شهود عيان، فإن كثيرًا من الضحايا قضوا بسبب الاختناق وعدم وجود مخارج طوارئ واضحة أو مفتوحة، فيما تعالت أصوات الاستغاثة لساعات قبل أن تصل فرق الدفاع المدني، التي واجهت صعوبات كبيرة في السيطرة على الحريق بسبب سوء تصميم المبنى، وضيق ممراته، وكثافة المحتوى القابل للاشتعال.
فاجعة متكررة: لماذا تتكرر هذه الكوارث؟
ليست هذه الحادثة الأولى من نوعها في العراق. فقد سبقتها حرائق عديدة في مستشفيات، مراكز تسوّق، وأسواق عامة. إلا أن نقطة الالتقاء المؤسفة في جميع هذه الكوارث هي الإهمال والإدارة الضعيفة للمخاطر.
تفتقر الكثير من المنشآت التجارية في العراق – بما فيها الكبرى – إلى أبسط إجراءات السلامة، مثل أجهزة الإنذار، أنظمة الرش التلقائي، وتدريب العاملين على خطط الإخلاء. كما أن الرقابة الحكومية ضعيفة أو شكلية في كثير من الأحيان، مع غياب المساءلة الجادة بعد وقوع الكوارث.
البعد الإنساني: ألم لا يندمل
المشهد لم يكن مجرد حريق. بل كان فاجعة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أسر بأكملها فقدت أبناءها، وموظفون شباب ذهبوا ضحية لقمة العيش، وأطفال قضوا في زوايا محاصرة بالنار والدخان.
في مجتمع يعاني من آثار الحروب والفقر والبطالة، تُضاف مثل هذه الكوارث إلى رصيد الألم والمعاناة اليومية للمواطن العراقي، وتترك جرحًا عميقًا في الوعي الجمعي، يطول نسيانه.
ما بعد الفاجعة: ماذا يجب أن يحدث؟
-
فتح تحقيق مستقل وشفاف لتحديد أسباب الحريق ومحاسبة المقصرين، من المالكين إلى الجهات الرقابية.
-
إلزام جميع المراكز التجارية والمباني العامة بتحديث أنظمة السلامة والوقاية من الحريق خلال فترة زمنية محددة.
-
إنشاء وحدة رقابية مستقلة تتابع شروط السلامة المهنية وتقدّم تقاريرها بشكل علني.
-
تضمين مناهج التعليم والتدريب في العراق مواد خاصة بإدارة الكوارث والاستجابة السريعة.
خاتمة: دماء الأبرياء مسؤولية الجميع
فاجعة حريق هايبر ماركت الكوت ليست مجرد حادث عرضي، بل ناقوس خطر يذكّرنا جميعًا – مسؤولين ومواطنين – بأن الإهمال يقتل، وأن غياب التخطيط وسوء الرقابة هو الوجه الآخر للفساد المؤسسي.
إن أرواح الأبرياء التي زهقت في هذه الكارثة يجب أن تكون منطلقًا لتغيير جذري في آليات السلامة والمسؤولية، لا مجرد رقم يُضاف إلى قائمة طويلة من الضحايا المنسيين.
Post Views: 267