
بقلم : كاظم محمد الكعبي
في زمنٍ كانت الكلمة فيه تهمة، والحرف طريقًا إلى الزنزانة، أيكون الكتاب عندئذ ملاذًا ومخبأ يقي من وطأة الخوف والملاحقة؟
هذا ما وجده السجين السياسي نعيم ياسين في الكتاب مدة سنة وتسعة أشهر كانت زمن البحث عنه لاعتقاله، تنقّل فيها من مكان إلى آخر، وأحيانًا بلا مكان، لا أنيس يسمع الشكوى ولا نفس تقرّ.

يروي قائلًا: حين علمت أن أجهزة أمن السلطة تراقبني بسبب انتمائي إلى الحركة الإسلامية، ونشاطي الملحوظ في المدرسة ومنطقة سكني، هيأت نفسي للاعتقال في أي لحظة، وحصل ما تهيأت له، فداهمت قوة من أمن السلطة البيت لاعتقالي، لكن من نسيج القدر لم أكن هناك، فلم يكن أمامي خيار سوى اللاعودة والتواري عن أنظار رقابة أمن السلطة وعيون رفاق البعث.
هكذا بدأت رحلة التخفي بين قرى ريفية، وأحياء في بغداد، لا شيء فيها مما اعتدت عليه، لا شيء غير الترقب والبحث عن أمكنة هنا وهناك.
في أحد البيوت التي آوتني، وجدت مكتبة – وأنا الشغوف بالقراءة – فقررت أن ألوذ بالكتب ومؤلفيها الذين يُحدثونك بصمت.
قرأت في الدين والأدب والسياسة، فتحت أول كتاب وصار الحرف ملجئي.
قرأت في التاريخ، والدين، والسياسة، والأدب.
رافقت أحمد سوسه في كتابه “المفصل في تاريخ العرب واليهود”، وعبد الله العلايلي في “الإمام الحسين”، والروائي عبد الرحمن منيف في “النهايات” وبطلها عساف، ومن القدماء أطلّ عليّ أبو الفرج الأصفهاني في “مقاتل الطالبيين”، كانت بعض شخصيات الكتاب تشبه قصصنا في المطاردة والتخفي والإعدام، ورافقني الشيخ الأصفهاني في كتابه “الحياة الجنسية في القرآن الكريم” والشيخ عبد الله المامقاني في كتابه “مرآة الرشاد”، وغيرها من الكتب التي صارت أنيسي في عزلةٍ لم تكن لي يدٌ فيها.
لم تكن الكتب صفحات تُلقي إليك بأفكار ونظريات وتُصوّر لك تاريخًا مضى، بل كانت جدارًا أستند إليه حين تهبط الروح من ثقل المطاردة.
كنت أقرأ لأهرب من القلق، بل لأشعر أنني ما زلت حيًا رغم الجدران التي أخذت أحس بها تضيق بي يومًا إثر يوم.
حتى وقعت في قبضة السجّانين بعد سنة وتسعة أشهر من التخفي والملاحقة والبحث، وأكثر من سنة من التحقيق وحفلات التعذيب، لم يُنتزع مني شغف القراءة، ولكن ما السبيل إلى إرواء ذلك الشغف في سجن ليس فيه سوى الصدى والآهات والمرض والموت؟
ليس فيه سوى جلادين أفضلهم شبه أمي؟ وبعد سنين عجاف سُمح لنا بأن نرى جريدة “الثورة”، جريدة حزب البعث، لكل زنزانة نسخة واحدة، وكنت آخر من يقرأها لأنني لا أريد أن أترك منها شيئًا، ولذا لم أُحبّذ أن تبقى عندي فيما الآخرون من رفاق الزنزانة ينتظرون.
جذبني في الجريدة سلسلة من المواضيع بعنوان “بصراحة” للصحفي المصري محمد حسنين هيكل، وسلسلة بعنوان “الجذور” للأديب العراقي حميد المطبعي تناول فيها سيرة وحياة كبار الأدباء والعلماء العراقيين المعاصرين الذين اعتبرهم مؤثرين في الثقافة العراقية والعربية بنتاجهم المعرفي من أمثال علي الوردي، وجواد علي، ومسعود محمد، وكوركيس عواد، وحسين علي محفوظ، وغيرهم، لكن المطبعي غمط حق الشيخ محمد حسن آل ياسين والسيد محمد تقي الحكيم اللذين عرفتهما مجامع اللغة العربية، وهما عالمان مجتهدان في عرف الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ويبدو أن المطبعي لاحظ رضا السلطة فيما يكتب، فلم يُرد الاقتراب من “الممنوع المعرفي”.
قرأت في الزنزانة من كتب البعث “في سبيل البعث” لميشيل عفلق، و”نقطة البداية” لعفلق، و”الأيديولوجية العربية” لإلياس فرح، و”التقرير المركزي للمؤتمر القطري التاسع” لحزب البعث المنعقد عام 1982، وتوقفت عند موضوع المسألة الدينية من التقرير لأن الموضوع يعكس فهم البعث للدين والتدين وموقفه من الحركة الإسلامية في العراق وتبريره لقمعها، إلى جانب ذلك قرأت ما وقع في يدي من كتيبات صغيرة كتبها صحفيون بعثيون ويصدرونها باسم رئيس النظام صدام حسين، وهي ليست أكثر من كلماته وخطاباته التي كان يُلقيها في مناسبات مختلفة.
وعندما سُمح لنا بدخول مكتبة السجن، وسُمح لأهالينا بزيارتنا، تدفقت علينا خفية كتب كنا نبحث عنها، فتحولت إلى قراءة بعيدة عن كتب البعث التي لم أجد فيها ما يُقنع أو يُفيد سوى أنني تعرفت أكثر على عقيدة عنصرية، ودكتاتورية بغيضة، وشعارات مخادعة.
قرأت من التفسير، الأجزاء الأربعة الأولى من تفسير “مواهب الرحمن” لآية الله السيد السبزواري، وأجزاء من تفسير “الميزان” للعلامة الطباطبائي، والأجزاء الأولى من “تاريخ الوزارات العراقية” لعبد الرزاق الحسني، ورسالة “منهاج الصالحين” للسيد الخوئي، وكتاب “التقليد في الشريعة الإسلامية” للشهيد عز الدين بحر العلوم وغيرها.
وفي حقل الأدب قرأت لنجيب محفوظ “ميرامار، وزقاق المدق، وخان الخليلي”، ولغيره قرأت رواية “القفص الزجاجي” لكولن ولسن، و”دروب الجوع” لجورج أمادو، كما قرأت للإيطالي “ألبرتو مورافيا”.
كنت ألتهم الكتب التهامًا، أقرأ في كل حقل، أبحث في كل سطر، كأنني أسترد شيئًا مسروقًا مني، فقرأتُ روايات نجيب محفوظ، وكتاب “فلاسفة أوروبيون” لموسى الموسوي، و”القفص الزجاجي” لكولن ولسون، وإحدى روايات الروائي الإيطالي ألبرتو مورافيا.
وكتبت “المباحث الكلامية في تفسير مواهب الرحمن”، تناولت مباحث العقيدة في الأجزاء الأربعة الأولى من التفسير، وما زلت أحتفظ بها مخطوطة على أن أكمل تلك المباحث، لكنني كسول جدًا، فمنذ خروجي من السجن بداية عام 1992 حتى اليوم لم أشرع في تكملتها.
وكتبت أيضًا “شذرات من أدب أهل البيت (ع)” وما زال مخطوطًا لم أكمله، فيما ضاعت مني في السجن مخطوطة تعليقات وهوامش على كتاب “فلاسفة أوروبيون” للسيد موسى الموسوي.
يقول ياسين: “الكتاب كان لي أكثر من رفيق، كان وطنًا وصوتًا داخليًا يُحدثني حين يسود الصمت، وكان سلاحي في معركة الصبر والثبات”.
Post Views: 431