
فاضل الحلو
قبل سنوات كانت بغداد محملة بذكريات مدينة متعبة، تتنفس صراعاتها أكثر من أحلامها. كانت تبدو وكأنها تجرّ خطاها على إسفلتٍ أنهكه الزمن، يختلط فيه الغبار بصوت المولدات، وتعلو فيه أصوات السياسة على نبض الناس.
أمّا اليوم، فحين يراها الزائر أو يعود إليها أبناؤها بعد غياب، يشعر أن شيئًا ما تغيّر، ليس فقط في الشوارع أو الواجهات الحديثة، ولا في زخرفة الجسور أو اللافتات الانتخابية التي تغزو الجدران، بل في وجوه الناس، في أحاديث المقاهي، وفي ذلك الإحساس الجمعي بأن المدينة بدأت تفتح عينيها من جديد.
إن التحول الذي تشهده بغداد اليوم لا يمكن اختزاله في مشاريع الإعمار أو الخطط الحكومية، على أهميتها، بل هو تحول في الوعي، في طريقة نظر الناس لأنفسهم ولدورهم في صناعة المستقبل، فجيلٌ جديد بدأ يخرج من ركام الحروب، يرفض أن تبقى المدينة رهينة الخوف أو الفساد أو الخطابات الماضوية، هذا الجيل، وإن بدا مشتتًا في بعض الأحيان، يحمل في داخله نزعة قوية للانتماء، لكن انتماءه ليس لمذهب أو حزب، بل لفكرة الوطن ذاته.
اللافت في مشهد بغداد اليوم هو عودة “الثقة الجزئية” بين المواطن والدولة، وهي خطوة صغيرة لكنها شديدة الرمزية، فحين يرى البغدادي مشروعًا خدميًا يُنجز، أو شارعًا يُعبَّد بعد سنوات من الإهمال، يشعر أن صوته لم يعد ضائعًا في الفراغ، هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع التغيير الكبير، لأن المدن لا تُبنى بالإسمنت فقط، بل تُبنى بالإيمان الجماعي بأنها تستحق حياة أفضل.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن الطريق ما زال طويلاً. فما زالت البيروقراطية تلتهم الكثير من الجهود، وما زال الانقسام السياسي يُلقي بظلاله على كل خطوة إصلاحية، لكن وسط هذه التحديات برزت مبادرات مدنية وثقافية شبابية تحاول استعادة هوية بغداد الإنسانية والفكرية، من معارض الكتب إلى الأنشطة البيئية والحملات التطوعية. هذه المبادرات الصغيرة تزرع بذورًا في الوعي الجمعي، تؤكد أن المدينة لا تنتظر المعجزات من السلطة، بل تصنعها بيد أبنائها.
إنّ ما يحدث اليوم في بغداد هو أشبه بعملية “ترميم للروح”، فبعد سنوات من الجراح والانكسارات، بدأت المدينة تتصالح مع نفسها، وتتعلم كيف تُحب من جديد، صارت المقاهي أكثر ازدحامًا بالنقاشات الثقافية، وصارت الجامعات أكثر انفتاحًا، والموسيقى الشعبية أكثر حضورًا في الشوارع، وكأن بغداد، التي كانت تنام على صدى المدافع، قررت أن تستيقظ على إيقاع الحياة.
ربما لن تتحول العاصمة العراقية بين ليلة وضحاها إلى نموذج مثالي للمدن الحديثة، لكن المهم أنها بدأت تسير بخطى ثابتة نحو استعادة صورتها التي حاول الزمن تشويهها، فبغداد ليست مجرد مدينة؛ إنها ذاكرة أمة، ومختبر دائم لتجربة الوعي الجمعي العراقي، وحين تتغير بغداد، يتغير العراق كله.
Post Views: 166