أمنيات العراقيين في السنة الجديدة: بين ذاكرة الألم وحلم الدولة

0
145


فاضل الحلو

مع كل عامٍ جديد، لا يبدأ العراقيون العدّ التنازلي للساعات بقدر ما يفتحون دفاتر الأمنيات الثقيلة، تلك التي لم تعد تُكتب بالحبر فقط، بل بالذاكرة والانتظار، فالسنة الجديدة في العراق ليست مناسبة احتفالية خالصة، بل محطة مراجعة جماعية: ماذا بقي من الوعود؟ وماذا تأجّل مرة أخرى؟ وما الذي ما زال ممكنًا في بلد اعتاد أن يعيش على حافة الأمل؟

أولى أمنيات العراقيين، وربما أكثرها بداهة وعمقًا، هي الأمن المستقر. ليس أمن الحواجز والسلاح، بل أمن الحياة اليومية: أن يذهب الطفل إلى مدرسته دون خوف، وأن يعود العامل إلى بيته دون قلق، وأن لا تتحول الأخبار العاجلة إلى جزء من الروتين النفسي، الأمن هنا ليس غياب العنف فقط، بل حضور الطمأنينة، وهو ما افتقده العراقي طويلًا حتى بات يتمناه كحقٍ مؤجل.

ثم تأتي أمنية الدولة العادلة، تلك الدولة التي لا تُدار بالمزاج ولا تُقاس بالولاءات، بل بالقانون. دولة لا يشعر فيها المواطن أنه غريب داخل مؤسساتها، ولا يحتاج فيها إلى واسطة ليحصل على حقه، كثيرون لم يعودوا يحلمون بالمثال، بل بالحد الأدنى: عدالة لا تُفرّق، وقضاء لا يتردد، وإدارة تعرف أن السلطة خدمة لا امتياز.

اقتصاديًا، تتكرر أمنية العيش الكريم بوصفها مطلبًا وجوديًا. لا يبحث العراقي عن الثراء، بل عن راتب يكفي، وخدمة كهرباء لا تُختصر بالجدول، ووظيفة لا تُمنح كمكافأة سياسية. البطالة، وارتفاع الأسعار، وتذبذب الخدمات، كلها جعلت الأمن الاقتصادي جزءًا لا ينفصل عن كرامة الفرد، وأحد أهم محددات شعوره بالانتماء.

أما الشباب، وهم الأكثر عددًا والأقل حظًا، فيحملون أمنيات مختلفة في شكلها، واحدة في جوهرها: فرصة حقيقية. فرصة لا تُقاس بالشهادات فقط، بل بالمساحة المتاحة للإبداع والمشاركة، كثير من أحلام الهجرة ليست هروبًا من الوطن، بل بحثًا عن معنى داخل الحياة. وحين تعجز الدولة عن احتضان طاقاتها، تتحول الطموحات إلى حقائب سفر.

في المقابل، تحمل العائلات العراقية أمنيات أكثر هدوءًا لكنها أعمق: الاستقرار الاجتماعي. أن لا تُستنزف العلاقات بالخلافات السياسية، ولا تُفكك البيوت تحت ضغط الفقر أو القلق، المجتمع الذي أنهكته السنوات الطويلة من الأزمات، يحتاج إلى استعادة ثقته بنفسه، وإلى خطاب يُرمّم الروابط بدل أن يوسع الشقوق.

ولا يمكن تجاهل أمنية الكرامة الوطنية. فالعراقي، رغم كل ما مرّ به، ما زال يتطلع إلى بلدٍ يحترمه العالم، ويتعامل معه بندّية، بلد لا يكون ساحة صراع للآخرين، ولا ورقة تفاوض في ملفات إقليمية، السيادة هنا ليست شعارًا، بل شعورًا جمعيًا بأن القرار وطني، والمصلحة عراقية أولًا.

ثقافيًا وروحيًا، تظهر أمنية أقل صخبًا وأكثر ثباتًا: السلام الداخلي. بعد سنوات من الخسارات، يبحث العراقي عن معنى يتكئ عليه، عن أمل لا يخونه، وعن حياة لا تُدار بالكامل بمنطق الطوارئ، العودة إلى القيم، إلى الفن، إلى التعليم، إلى الدين بوصفه طمأنينة لا أداة صراع، كلها تعبيرات عن حاجة عميقة للاتزان.

في النهاية، لا تبدو أمنيات العراقيين في السنة الجديدة فاخرة ولا مستحيلة. إنها بسيطة إلى حدٍّ موجع: أمان، عدالة، عمل، كرامة، ومستقبل يمكن الوثوق به. وربما تكمن المفارقة في أن هذه الأمنيات، على بساطتها، تحتاج إلى إرادة كبيرة لتحقيقها. ومع ذلك، يواصل العراقيون كتابة أمنياتهم كل عام، لا لأنهم سذّج، بل لأن الأمل، في هذا البلد تحديدًا، ليس ترفًا… بل وسيلة للبقاء.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here