زيلينسكي في الخليج: من طلب الدعم إلى عرض “الشراكة الأمنية”

0
5


فاضل الحلو

لا يمكن قراءة تحركات زيلينسكي في العواصم الخليجية بوصفها زيارة بروتوكولية تقليدية، بل تأتي في سياق تحوّل أعمق في خطاب أوكرانيا منذ اندلاع الحرب مع روسيا. فالدولة التي قدّمت نفسها لسنوات كـ“متلقٍ للدعم” تحاول اليوم إعادة تموضعها كطرف يمتلك خبرة أمنية قابلة للتصدير، خصوصًا إلى بيئات إقليمية حساسة مثل الخليج.

هذا التحول لا ينفصل عن محاولة ربط الحرب في أوروبا الشرقية بسياقات الشرق الأوسط، وتحديدًا عبر الإشارة إلى إيران بوصفها فاعلًا مشتركًا في معادلات التهديد.

أولًا: من خطاب المظلومية إلى عرض “القيمة”

منذ بداية الحرب، اعتمد خطاب زيلينسكي على حشد التعاطف الدولي: الدفاع عن السيادة، مقاومة العدوان، وحماية النظام الدولي.
لكن في زيارته إلى عواصم مثل الدوحة والرياض وأبوظبي، بدا أن هناك تطورًا في الرسالة:

أوكرانيا لم تعد فقط بحاجة إلى دعم… بل تمتلك خبرة أمنية يمكن أن تُعرض كشراكة.

هذا التحول يعكس إدراكًا بأن “التعاطف” مورد محدود، وأن الاستمرار في حشد الدعم يتطلب تقديم مقابل استراتيجي.

ثانيًا: “تاجر حرب” أم لاعب براغماتي؟

وصف زيلينسكي بأنه “تاجر حرب” يحمل شحنة سياسية قوية، لكنه يحتاج إلى تفكيك.
في السياسة الدولية، غالبًا ما تسعى الدول التي تعيش نزاعات إلى:

  • تحويل خبرتها القتالية إلى نفوذ سياسي

  • تقديم نفسها كشريك أمني موثوق

  • استثمار الحرب لتعزيز موقعها في النظام الدولي

من هذا المنظور، ما يقوم به زيلينسكي يمكن قراءته كتحرك براغماتي أكثر منه “تجارة حرب” بالمعنى الأخلاقي المباشر.

ثالثًا: ربط الساحات… استراتيجية أم مبالغة؟

أحد أبرز محاور الخطاب الأوكراني هو الربط بين:

  • الحرب مع روسيا

  • دور إيران في توازنات المنطقة

الرسالة الضمنية:
“ما نواجهه في أوكرانيا ليس معزولًا… بل جزء من شبكة تهديدات يمكن أن تطالكم أيضًا.”

هذا الربط يخدم عدة أهداف:

  • توسيع دائرة الاهتمام الدولي بالحرب

  • جعل الصراع يبدو أكثر صلة بأمن الخليج

  • تحفيز تعاون أمني أو تكنولوجي

لكن في المقابل، قد يُنظر إليه كـ:

  • مبالغة في توحيد ساحات مختلفة

  • أو محاولة لتسييس ملفات إقليمية معقدة لخدمة أولويات أوكرانية

رابعًا: ماذا يريد من الخليج؟

الزيارة تحمل أكثر من بعد:

1. سياسي:
كسر الاصطفافات الجامدة، وفتح قنوات مع دول تحافظ على توازن في علاقاتها الدولية.

2. اقتصادي:
جذب استثمارات أو دعم لإعادة الإعمار مستقبلًا.

3. أمني:
عرض خبرة أوكرانيا في:

  • الطائرات المسيّرة

  • الحرب السيبرانية

  • مواجهة التكتيكات غير التقليدية

خامسًا: كيف ينظر الخليج لهذا الطرح؟

دول الخليج، بما فيها السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، تتعامل عادةً مع هذا النوع من العروض بمنطق:

  • تنويع الشراكات دون الانخراط في محاور حادة

  • الاستفادة التقنية دون التورط السياسي المباشر

  • الحفاظ على التوازن بين القوى الكبرى

لذلك، من غير المرجح أن تتحول هذه الزيارة إلى تحالفات أمنية صلبة، لكنها قد تفتح أبواب تعاون محدد ومدروس.

خلاصة

زيارة زيلينسكي إلى الخليج تعكس تحوّلًا في الاستراتيجية الأوكرانية: من دولة تبحث عن الدعم… إلى دولة تحاول تسويق نفسها كشريك أمني.

هل هو “تسويق حرب”؟ ربما في جانب منه.
وهل هو تحرك براغماتي؟ بالتأكيد.

لكن الأهم أن هذه الزيارة تكشف حقيقة أوسع: في عالم اليوم، لا تُدار الحروب فقط في الميدان، بل أيضًا في كيفية تقديمها… ومن ينجح في ربطها بمصالح الآخرين.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here