
فاضل الحلو
لم تعد المواجهة الدائرة في الشرق الأوسط مجرد صراع عسكري تقليدي تُقاس نتائجه بعدد الضربات أو حجم الدمار بل أصبحت اختبارًا عميقًا لقدرة الدول على إدارة الصراع طويل الأمد سياسيًا وأمنيًا ونفسيًا واقتصاديًا،وفي هذا السياق برزت إيران بوصفها نموذجًا لدولة استطاعت رغم العقوبات والحصار والضغوط الدولية المتراكمة أن تُدير واحدة من أعقد المواجهات في المنطقة بعقلٍ استراتيجي شديد البرودة والمرونة.
إن ما يمكن وصفه بـ “عبقرية العقل الإيراني” لا يكمن فقط في امتلاك أدوات القوة، بل في كيفية توظيفها ضمن مشروع طويل النفس، قائم على الصبر الاستراتيجي وتعدد مسارات الاشتباك وإدارة التوازن بين التصعيد والاحتواء، فإيران لم تدخل صراعها مع الولايات المتحدة وإلكيان الصهيوني بوصفه معركة عسكرية عابرة، بل باعتباره صراع وجود ونفوذ وإعادة تشكيل للمنطقة.
لقد كشفت أحداث “حرب الأربعين يومًا” أن ميزان القوة في الشرق الأوسط لم يعد يُقاس بالتفوق التكنولوجي وحده بل بمدى تماسك الجبهة الداخلية وقدرة الأنظمة على الحفاظ على شرعيتها الشعبية في لحظات الخطر، وهنا تحديدًا برز العامل الأكثر أهمية في التجربة الإيرانية: العلاقة بين الدولة والمجتمع.
فعلى الرغم من التنوع القومي والثقافي والسياسي داخل إيران أظهرت لحظة المواجهة حضورًا شعبيًا لافتًا في دعم الدولة ومؤسساتها وهو ما منح النظام الإيراني قدرة أكبر على امتصاص الضغوط والاستمرار في إدارة المعركة بثبات، وهذا يكشف حقيقة غالبًا ما تغيب عن التحليلات السطحية: أن الأنظمة القريبة من شعبها أو القادرة على الحفاظ على حد أدنى من التماسك الوطني تكون أكثر قدرة على الصمود مهما بلغت التحديات الخارجية.
وفي المقابل،أظهرت الحرب أن التفوق العسكري لا يضمن دائمًا الحسم السياسي. فالولايات المتحدة، رغم قوتها الهائلة، وإلكيان الصهيوني رغم تفوقه الاستخباري والتقني وجدتا نفسيهما أمام خصم يمتلك قدرة عالية على المناورة وإدارة الوقت وتوسيع ساحات الاشتباك بطريقة تُربك الحسابات التقليدية.
إن التحولات التي أنتجتها هذه المواجهة لن تتوقف عند حدود الميدان العسكري بل ستنعكس على شكل النظام الإقليمي بأكمله، فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة إعادة تشكل لمراكز القوة، تبدو إيران فيها لاعبًا أكثر حضورًا وتأثيرًا ليس فقط بسبب قدراتها العسكرية بل لأنها استطاعت أن تفرض نفسها بوصفها دولة تمتلك مشروعًا سياسيًا واستراتيجيًا متماسكًا.
لقد دخلت المنطقة مرحلة جديدة لم تعد فيها الهيمنة المطلقة ممكنة كما كانت في العقود السابقة بل باتت القوة تُبنى على القدرة على الصمود وإدارة الأزمات وكسب الوقت والحفاظ على الجبهة الداخلية، وهذه المعادلة تحديدًا هي ما جعلت من التجربة الإيرانية موضع دراسة وتأمل سواء اتفق معها الآخرون أم اختلفوا حولها.
فالسياسة في النهاية لا تُقاس فقط بمن يمتلك السلاح الأقوى بل بمن يملك النفس الأطول والرؤية الأبعد والقدرة على تحويل الضغوط إلى عناصر قوة ونفوذ.
Post Views: 3