إعلام الاستنساخ: حين يغيب الابتكار وتحضر القوالب الجاهزة

0
11


فاضل الحلو

تتنافس القنوات التلفزيونية اليوم على ملء ساعات البث، لكن هذه المنافسة للأسف لا تدور في فلك ابتكار الأفكار بقدر ما تنحصر في استنساخها، برامج متشابهة في الشكل والمضمون، صيغ مكرورة، وأفكار يُعاد تدويرها بصيغ مختلفة، حتى بات الاختلاف بين قناة وأخرى يقتصر على الشعار والديكور، لا على الجوهر.

هذا الواقع لا يعكس أزمة ذائقة فقط، بل يكشف خللًا أعمق في فهم وظيفة الإعلام. فحين يتحول المحتوى إلى نسخة مكررة، يفقد الإعلام أحد أهم أدواره: صناعة المعنى، وفتح النقاش، وتحفيز التفكير. الإعلام، في جوهره، ليس سباق أعداد ولا عرضًا كمّيًا، بل فعلٌ ثقافيّ ومعرفيّ يتطلب الجرأة والخيال والمسؤولية.

أسباب هذا الاستنساخ متعددة بعضها يرتبط بمنطق السوق والخوف من المغامرة، حيث تفضّل إدارات القنوات الصيغ “المجرَّبة” على الأفكار الجديدة، خشية الفشل أو خسارة الإعلانات، وبعضها الآخر يعود إلى غياب غرف التفكير الحقيقية، والاكتفاء بإدارة البرامج بعقلية تشغيلية لا إبداعية، تُقاس فيها النجاحات بنسبة المشاهدة الآنية لا بالأثر الطويل.

لكن المشكلة لا تقف عند حدود التكرار، بل تتجاوزها إلى تسطيح القضايا، فحين تُفرض القوالب الجاهزة على موضوعات معقّدة، يتحول النقاش العام إلى مشهد استعراضي، تُختزل فيه القضايا الكبرى في أسئلة سريعة وإجابات متوقعة، ويغيب العمق لصالح الإيقاع.

الإعلام الحقيقي لا يُقاس بعدد البرامج ولا بكثافة البث، بل بجرأة الفكرة، وعمق الطرح، وتميّز المعالجة. يُقاس بقدرته على تقديم زوايا جديدة، وطرح أسئلة غير مريحة، وكسر المألوف بدل إعادة إنتاجه فالمشاهد، مهما بدا متسامحًا، يمتلك ذاكرة نقدية، ويستطيع تمييز الأصلي من المكرّر.

إن الخروج من دائرة الاستنساخ لا يتطلب ميزانيات ضخمة بقدر ما يحتاج إلى إرادة تحريرية، وثقة بالعقول الشابة، واستعداد لتحمّل المخاطرة المحسوبة. فالإعلام الذي يخشى التجديد محكوم بالبقاء في الهامش، مهما ارتفعت شاشاته واتسعت منصاته.

وفي زمن تتعدد فيه وسائل الوصول إلى المحتوى، لم يعد التكرار خيارًا آمنًا، بل صار وصفة مؤكدة للتراجع، وحده الإعلام الذي يبتكر، لا الذي يقلّد، قادر على البقاء مؤثرًا في وعي الجمهور، وصانعًا حقيقيًا للرأي العام.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here