
فاضل الحلو
في زمنٍ تتعاظم فيه التحديات التي يمرّ بها العراق، تصبح الحيادية في تشخيص الخلل والجرأة في انتقاد المنظومة السياسية العاجزة ضرورة وطنية لا ترفًا فكريًا. فاللغة التي يجب أن يتحدث بها الجميع اليوم ليست لغة الاصطفاف ولا المجاملة، بل لغة الحقيقة، مهما كانت بعض الحقائق مُزعجة لطرف دون آخر.
لقد نصّ الدستور العراقي بوضوح على أن الشعب هو مصدر السلطات وشرعيتها، غير أن الواقع العملي يكشف عن فجوة واسعة بين النص الدستوري والتطبيق السياسي.
فالمواطن، الذي من المفترض أن يكون محور العملية السياسية وغايتها، تحوّل في كثير من الأحيان إلى متلقٍ للأزمات، وشاهدٍ على إخفاقات متراكمة، دون أن يلمس منجزًا يوازي حجم الوعود أو التضحيات.
إنّ الخلل في المنظومة السياسية لا يمكن اختزاله في شخص أو جهة بعينها، بل هو خلل بنيوي يتجلى في ضعف الأداء المؤسسي، وغياب التخطيط الاستراتيجي، وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة العامة، كما يظهر في عجز الحكومات المتعاقبة عن تحويل الموارد الهائلة التي يمتلكها البلد إلى خدمات أساسية تحفظ كرامة المواطن، وتؤسس لاستقرار اقتصادي واجتماعي مستدام.
الحيادية هنا لا تعني الوقوف في المنتصف بين الصواب والخطأ، بل تعني الانحياز للعراق وللمواطن، والالتزام بتشخيص موضوعي يستند إلى الوقائع لا إلى الانتماءات، فالخطاب غير المحايد مهما بدا حماسيًا غالبًا ما يكرّس الانقسام ويعطّل فرص الإصلاح، بينما الخطاب المسؤول يفتح الباب أمام المراجعة والمحاسبة والتصحيح.
إنّ انتقاد المنظومة السياسية، حين يكون قائمًا على أسس مهنية ووطنية، لا يُعد تهديدًا للاستقرار، بل هو شرط من شروطه. فالدول لا تنهض بالصمت على الإخفاق، ولا بتزيين الفشل، بل بالاعتراف بالأخطاء ووضع حلول واقعية لها، ضمن إطار دستوري وقانوني يحفظ هيبة الدولة وحقوق المواطنين في آنٍ واحد.
وفي هذا السياق، تقع مسؤولية كبيرة على النخب السياسية والإعلامية والثقافية في تبني خطاب عقلاني شجاع، يضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار، ويعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة بوصفه الأساس الحقيقي للشرعية، كما تقع مسؤولية موازية على مؤسسات الدولة في الإصغاء لهذا النقد، والتعامل معه بوصفه فرصة للإصلاح لا مادة للصراع.
ختامًا، فإن العراق، وهو يواجه تحديات داخلية وإقليمية معقدة، أحوج ما يكون إلى لغة واحدة: لغة الحقيقة والحيادية والمسؤولية، لغة لا تُرضي الجميع لكنها تحترم عقول المواطنين وتضعهم في قلب المعادلة السياسية، كما أراد لهم الدستور، لا كشعارٍ يُرفع، بل كواقعٍ يُمارس.
Post Views: 16