
فاضل الحلو
في عالمٍ تتصارع فيه الهويات وتتشابك المصالح وتعلو فيه أصوات التعصب والكراهية، يبقى هناك ضوءان لا تنطفئ شعلتهما في وجدان الشعوب الحيّة: الإنسانية والوطن، هاتان الهويتان ليستا مجرد مفاهيم نظرية، بل هما قاعدتان وجوديتان تستقيم بهما الحياة وتُبنى عليهما المجتمعات السليمة، وما لم تُفهم وتُمارَس في وعي الإنسان وسلوكه، فسيبقى عرضةً للانزلاق في مستنقعات التطرف والانغلاق، كما هو الحال في كثير من بقاع الأرض، ومنها العراق.
الهوية الإنسانية: جامع لا يفرّق
الإنسانية ليست شعاراً، بل هي جوهر العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان. هي القيم التي تُعلي من شأن الإنسان ككائن مكرم، بغض النظر عن دينه أو قوميته أو لونه أو طبقته الاجتماعية.
عندما نتحدث عن “الإنسانية”، فنحن ننتصر لمبادئ العدالة، الرحمة، احترام الآخر، نصرة المظلوم، والاعتراف بالكرامة المتأصلة في كل نفس بشرية.
غير أن هذه المفاهيم تظل غائبة عن وعي أولئك الذين يرزحون تحت وطأة التعصب الديني أو الطائفي أو العرقي، حيث تُلغى الإنسانية لصالح فكرٍ يُقصي المختلف، ويرى في ذاته مركز الكون ومقياس الحق والباطل، في مثل هذا المناخ، تذوي القيم، ويستحيل الإنسان إلى أداة للكراهية بدلاً من أن يكون رسولاً للسلام.
الوطن: ليس مجرد جغرافيا
أما الهوية الوطنية، فهي أكثر من قطعة أرض أو حدود سياسية. إنها الانتماء إلى مجتمع مشترك، ذاكرة جماعية، تاريخ طويل من التضحيات، وثقافة موحدة رغم تنوع أطيافها. الوطن هو الحضن الذي يضم أبناءه على اختلاف مشاربهم، ويمنحهم الشعور بالأمان والانتماء.
لكن، كما أن الإنسانية لا تعني التخلي عن الخصوصيات، فإن الوطنية لا تعني التعصب ولا الانغلاق، فالوطن الذي يُبنى على نبذ الآخر هو وطن هش، لا يصمد أمام رياح الفتن. ومتى ما اختُزل مفهوم الوطن إلى طائفة أو حزب أو مذهب، فاعلم أن الوطن في خطر.
العراق: وطن بحاجة إلى إعادة تربية على هويته الإنسانية والوطنية
لقد مر العراق بتجارب قاسية في تاريخه الحديث، من الحروب إلى الدكتاتورية، ثم الاحتلال، فالعنف الطائفي، ثم الفساد السياسي والتردي الخدمي، خلال هذه المراحل، تآكلت القيم الإنسانية، وتشرذمت الهوية الوطنية، حتى بات الولاء للطائفة أو العشيرة أو القومية أو الحزب، يعلو فوق الولاء للوطن والإنسان.
وما لم نعد تربية الأجيال على قيم الوطنية الخالصة والإنسانية الشاملة، فسنظل نعيد إنتاج الفشل، يجب أن تبدأ هذه التربية من المدرسة، ومن الخطاب الديني، والإعلام، والأسرة، وكل مؤسسة تربوية. التربية على محبة الإنسان واحترام الوطن ليست ترفاً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية، العراق بلد متنوع، وهذا التنوع ثروة لا تهديد، لكنه لا يصبح قوة إلا حين يجتمع تحت خيمة الإنسانية والوطن.
خاتمة: من لا يحمل هويتين لا يستحق وطناً
من لا يفهم الإنسانية، لا يمكنه أن يكون مواطناً صالحاً. ومن لا يحب وطنه بكل مكوناته، لا يمكنه أن يكون إنساناً كاملاً. الكراهية تُعمينا عن رؤية الحقيقة، والتعصب يزرع في نفوسنا وهم التفوق والتملك، إن العالم بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى من يؤمن بأن الإنسانية والوطن هما المقدسان اللذان لا يجوز التفريط بهما أو المساومة عليهما.
ولعل العراق، بتاريخه الحضاري العريق، ومجتمعه المتعدد، وثرواته البشرية والثقافية، أحوج ما يكون إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار لهاتين الهويتين، لكي يخرج من أزماته المتلاحقة، ويبدأ طريقه نحو البناء والسلام.
Post Views: 238