بين العمل والإعلام: كيف تُصنع ملامح الوعي في العراق المتحوّل

0
105


فاضل الحلو

في المجتمعات التي تمرّ بتحولات عميقة، لا يكون العمل مجرّد وسيلة للعيش، ولا الإعلام مجرّد ناقل للأحداث. كلاهما يتحولان إلى فاعلين أساسيين في صناعة الوعي وتوجيه البوصلة الاجتماعية. والعراق، بما يحمله من تاريخ ثقيل وتحولات متسارعة بعد سنوات طويلة من الأزمات، يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم تتقاطع فيه بنية الاقتصاد مع خطاب الإعلام.

العمل… أكثر من وظيفة

لم يعد العمل في العراق مسألة مرتبطة بالرزق فقط، بل أصبح عنواناً للاستقرار، والانتماء، والكرامة الاجتماعية. فمع تغيّر شكل الاقتصاد، وتراجع بعض القطاعات التقليدية، وصعود أنماط جديدة من العمل الحر، والاقتصاد الرقمي، والمشاريع الصغيرة، تغيّر مفهوم “الوظيفة الآمنة” الذي ترسّخ لعقود طويلة.

هذا التحول يفرض أسئلة وجودية على المجتمع:

  • ما معنى النجاح؟

  • ما قيمة الشهادة الأكاديمية في سوق متغيّر؟

  • هل الدولة هي الضامن الوحيد للعمل، أم أن الفرد بات مطالباً بإعادة تعريف دوره؟

هذه الأسئلة لا تُجاب بالأرقام وحدها، بل بالمعنى الذي يُبنى حولها.

الإعلام… من المرآة إلى المصنع

هنا يتقدّم دور الإعلام من كونه مرآة تعكس الواقع، إلى كونه مصنعاً للوعي. فالإعلام لا يكتفي بعرض التحولات الاقتصادية، بل يفسّرها، ويؤطّرها، ويمنحها سردية. الطريقة التي يُقدَّم بها الخبر، واللغة المستخدمة، والضيوف المستضافون، وحتى ما يُهمَل من قضايا، كلها تشارك في تشكيل فهم الناس لما يجري.

حين يقدّم الإعلام التحول الاقتصادي بوصفه تهديداً فقط، يزرع الخوف.

وحين يقدّمه بوصفه فرصة بلا نقد، يزرع الوهم.

أما الإعلام المسؤول، فيسعى إلى خلق توازن: يشرح، ويحلّل، وينتقد، ويقترح.

من يشرح التحول؟

السؤال الأخطر اليوم ليس: ماذا يحدث؟ بل: من يشرح ما يحدث؟

لأن الشرح هو الذي يصنع الثقة أو يهدمها. وفي العراق، حيث فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات ما زالت واسعة، يصبح للإعلام دور مضاعف الخطورة.

شرح التحولات الاقتصادية يتطلب:

  • لغة قريبة من الناس لا نخبوية.

  • ربط الأرقام بحياة المواطنين اليومية.

  • استضافة خبراء حقيقيين لا متحدثين دعائيين.

  • الاعتراف بالتحديات دون تبرير الفشل.

منح المعنى… لا تزييفه

المجتمع لا يخاف التغيير بقدر ما يخاف الغموض، والإعلام حين يمنح معنى للتحول، فهو إما أن يساعد الناس على التكيّف، أو يدفعهم إلى الرفض والانسحاب، صناعة الوعي هنا ليست ترفاً ثقافياً، بل شرطاً للاستقرار الاجتماعي.

في بلد مثل العراق، حيث الشباب يشكلون النسبة الأكبر من السكان، يصبح الخطاب الإعلامي حول العمل والاقتصاد عاملاً حاسماً في:

  • توجيه الطموحات.

  • الحد من الإحباط.

  • منع انجراف الوعي نحو الشعبوية أو التطرف.

نحو شراكة واعية

إن العلاقة بين العمل والإعلام ليست علاقة نقل وتأثير أحادي، بل شراكة في تشكيل المستقبل. فاقتصاد بلا وعي يُنتج فوضى، وإعلام بلا مسؤولية يُنتج تضليلاً. وحده التلاقي بين خطاب إعلامي مهني، ورؤية اقتصادية واضحة، يمكن أن يفتح أفقاً جديداً لمجتمع يبحث عن معنى للتغيير، لا مجرد تفسير له.

في النهاية، مسار المجتمع العراقي لن تحدده الوظائف وحدها، ولا العناوين الإخبارية فقط، بل الوعي الذي يتشكّل في المسافة بينهما.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here