
فاضل الحلو
يبدو واضحًا أن ما يتعرّض له المواطن العراقي اليوم من توسّع غير مسبوق في فرض الضرائب والرسوم لم يعد إجراءً ماليًا مؤقتًا، بل تحوّل إلى نهج ثابت يعكس اختلالًا عميقًا في إدارة الدولة للملف الاقتصادي، وتراجعًا عمليًا عن جملة الوعود التي رفعتها القوى السياسية بعد عام 2003 تحت عنوان بناء دولة ديمقراطية ومؤسسات خادمة للمجتمع.
لقد جرى تقديم الضرائب، في الأدبيات الاقتصادية، بوصفها أداة سيادية لتنظيم السوق، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتمويل الخدمات العامة.
غير أن ما يشهده الواقع العراقي يبتعد كثيرًا عن هذا الإطار النظري، إذ تُفرض الرسوم في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الثقة بين المواطن والدولة، وتغيب فيها العلاقة المتوازنة بين ما يُدفع وما يُقدَّم من خدمات.
اقتصاد ريعي… وعجز عن الإصلاح الحقيقي
يعتمد الاقتصاد العراقي بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية، وهو اعتماد لم يُقابَل منذ عقدين بأي مشروع جاد لتنويع مصادر الدخل أو بناء قاعدة إنتاجية وطنية.
ومع كل أزمة مالية أو تذبذب في أسعار النفط، تتجه الحكومات المتعاقبة إلى أسهل الحلول: تحميل المواطن كلفة العجز عبر رسوم وضرائب جديدة، بدل مواجهة جذور الخلل المتمثلة في تضخم الجهاز الحكومي، والهدر المالي، والفساد المؤسسي.
هذا النهج يكشف عن أزمة تفكير اقتصادي قبل أن يكون أزمة موارد، إذ تُستبدل السياسات الإصلاحية طويلة الأمد بإجراءات سريعة ذات أثر اجتماعي سلبي، تُضعف القدرة الشرائية للمواطن، وتضغط على الطبقة الوسطى، وتزيد من هشاشة الفئات الفقيرة.
غياب العدالة الضريبية
أخطر ما في المشهد الحالي ليس مبدأ فرض الضرائب بحد ذاته، بل غياب العدالة في تطبيقه.
فبدل أن تكون الضرائب تصاعدية تطال الأنشطة ذات الأرباح العالية ورؤوس الأموال الكبرى، نجدها تُفرض بشكل غير مباشر على السلع والخدمات الأساسية، ما يجعل الفقير يدفع النسبة ذاتها التي يدفعها الغني، وربما أكثر من حيث الأثر الفعلي.
كما أن ضعف النظام الضريبي، وتفشي التهرب، وغياب الشفافية في آليات الجباية، يحوّل الضرائب إلى عبء قسري لا يراه المواطن مساهمة وطنية، بل استقطاعًا بلا مقابل واضح.
أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع
لا يمكن لأي سياسة ضريبية أن تنجح دون وجود عقد اجتماعي واضح. في الدول المستقرة، يدفع المواطن الضرائب لأنه يرى أثرها في التعليم، والصحة، والبنى التحتية، والضمان الاجتماعي.
أما في العراق، فإن تدهور الخدمات الأساسية يجعل أي حديث رسمي عن “تعظيم الإيرادات غير النفطية” فاقدًا للمصداقية في الوعي الشعبي.
وهنا تتجلى الأزمة الحقيقية: أزمة ثقة متراكمة، تجعل من كل قرار مالي جديد شرارة لسخط اجتماعي مشروع، وليس مجرد نقاش اقتصادي تقني.
نحو رؤية مختلفة
إن معالجة الأزمة لا تبدأ بزيادة الرسوم، بل بإعادة هيكلة الدولة اقتصاديًا وإداريًا، ومكافحة الفساد بجدية، وتحقيق العدالة في توزيع الأعباء، وربط الجباية بتحسين ملموس في الخدمات.
دون ذلك، ستبقى الضرائب أداة لإدارة العجز لا لبناء الدولة، وسببًا إضافيًا لتآكل العلاقة بين المواطن والنظام السياسي.
فالدولة التي تطلب من مواطنيها التضحية، مطالَبة أولًا بأن تثبت قدرتها على الإدارة، والنزاهة، وحماية المال العام؛ وإلا فإن كل إصلاح مالي سيبقى في نظر الناس مجرد عبء جديد يُضاف إلى قائمة طويلة من الإخفاقات.
Post Views: 8