هادي العامري… بين تجربة الجهاد واستحقاقات قيادة الدولة

0
25


فاضل الحلو

في لحظات التحوّل الكبرى التي تمر بها الدول لا يُقاس القادة بالشعارات ولا بالخطابات الآنية بل بتاريخهم وبقدرتهم على العبور من منطق الصراع إلى منطق الدولة.

وفي المشهد السياسي العراقي يبرز اسم هادي العامري بوصفه شخصية إشكالية لدى البعض، لكنها في الوقت ذاته تمثل تجربة متراكمة لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن قيادة المرحلة المقبلة.

العامري صاحب “الشيبة المباركة” كما يصفه أنصاره، ليس نتاج ظرف سياسي طارئ، بل هو ابن مسار طويل من العمل المعارض والجهادي ضد نظام البعث، قضى فيه سنوات عمره بين المنافي وساحات المواجهة، هذا المسار لم يكن هدفه إسقاط نظام فحسب، بل كان يحمل في جوهره فكرة الدولة والعدالة ورفض الاستبداد، وهي أفكار شكّلت لاحقاً أساس النظام السياسي الجديد بعد عام 2003.

وبعد سقوط النظام السابق، عاد العامري إلى العراق لا بوصفه منتصراً يبحث عن غنيمة، بل فاعلاً سياسياً ساهم في تأسيس الدولة العراقية الحديثة ضمن ظروف شديدة التعقيد، أمنياً وسياسياً واجتماعياً، تولّى مسؤوليات تنفيذية وتشريعية وأمنية، وكان حاضراً في مفاصل حساسة من تاريخ الدولة لا سيما في مواجهة الإرهاب، حيث مثّل أحد أبرز القادة الذين أسهموا في الدفاع عن وحدة البلاد ومنع انهيارها.

ما يميّز هادي العامري عن كثير من الفاعلين السياسيين هو قدرته على إدارة الاختلاف. ففي بلد يقوم نظامه السياسي على التوازنات الدقيقة، والانقسامات العميقة، استطاع أن يكون رجل تواصل لا قطيعة ورجل جمع لا تفريق، وقد اشتهر بمقولته الصريحة بأن “التفرقة هي دمار لما جاهدنا من أجله”، وهي ليست عبارة إنشائية، بل توصيف دقيق لتجربة عراق دفع ثمناً باهظاً للصراعات الداخلية.

وفي خضم الوضع السياسي الشائك الذي يرافق تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة، حيث تتداخل الضغوط الداخلية مع الإقليمية والدولية، يبرز السؤال الجوهري: هل تحتاج المرحلة المقبلة إلى وجه جديد أم إلى تجربة ناضجة؟

الجواب هنا لا ينطلق من تقديس الأشخاص، بل من قراءة واقعية لطبيعة المرحلة.

العراق اليوم لا يحتاج إلى مغامرات سياسية ولا إلى خطابات شعبوية بل إلى شخصية تمتلك خبرة في إدارة الأزمات وفهماً عميقاً لتوازنات الداخل وعلاقات تمكّنها من تقليل الصدامات لا تعظيمها.

من هذا المنطلق، نطرح ترشيح هادي العامري لرئاسة الوزراء بوصفه خياراً قائماً على الخبرة والتجربة والقدرة على التهدئة، فهو لا يُعرف عنه السعي إلى التصعيد الداخلي، ولا الارتهان الكامل للخارج، بل الميل إلى الحلول الوسطى التي تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار، وهو أمر قد يكون أكثر واقعية من الطموحات القصوى في هذه المرحلة.

بطبيعة الحال السياسة لا تُدار بمنطق المثالية، بل بمنطق المقارنة بين الممكن والمتاح. وعند مقارنة السير الذاتية والقدرات العملية، نجد أن العامري يمتلك من الرصيد السياسي والتاريخي ما يؤهله لقيادة حكومة في مرحلة اختبار صعبة.

خلاصة القول، دعوتنا إلى إعطاء هادي العامري فرصة قيادة الحكومة العراقية ليست دعوة عاطفية بل طرح سياسي يستند إلى قراءة لتاريخ الرجل وتجربته وإلى حاجة البلاد لشخصية جامعة في زمن الانقسام.

ويبقى القرار في النهاية بيد القوى السياسية والشعب، ضمن معادلة تحكمها التوافقات الدستورية لا الأمنيات وحدها.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here