
أحلام رهك
بعد أكثر من أربعين عامًا من القهر والتنكيل والانتهاكات التي طالت عوائل المعارضين العراقيين، بكل أطيافهم السياسية والمذهبية، يطلّ علينا أحدهم من خلف كرسي وظيفي لا يستحقه، ليقول بجسارة: “ألم تنتهِ حقوق هذه العائلة بعد؟!”
يقولها وهو جالس في مكتبه المكيف، لم يذق حرّ الزنازين، ولا سمع صراخ أمهات المعتقلين، ولا شهد دموع الأرامل ولا أنين الأطفال الذين كبروا على فُقدان آبائهم في ليل البعث الطويل.
يتحدث وكأن التاريخ طُمس، وكأن الأبواب التي كُسرت، والسجون التي ازدحمت، والقبور الجماعية التي نُبشت، لم تكن موجودة من الأساس.
هو الآن حريص على “مستقبل الدولة”، قلقٌ على “ميزانية الاقتصاد الوطني”، منفقٌ وقته في احتساب ما تُكلّفه الدولة من حقوق “هذه العائلة!” وفي أعماقه… يلوم الطاغية المقبور، لا على جرائمه، بل على “تقصيره” في إبادة من تبقى من هذه العوائل!
عودة بلا هزيمة
ابن البعث لم يُهزم. لقد عاد. عاد بقوة، بوجه جديد، وكرسي جديد، وخطاب أشد خُبثًا.
هو نفسه الذي حرّض في الأمس على قتل المخالفين له في الراي، لكنه اليوم يرتدي قناع الدولة، يحرّك خيوط “الوطنية” ليوجّه التهم، ويقسم المجتمع، حزبًا ضد حزب، وطائفة ضد أخرى.
باتت المعادلة مقلوبة
من كانوا ضحايا، يُحمّلون اليوم وزر الفساد وفشل في بعض مفاصل التجربة السياسية.
ومن كانوا جلادين، ينصّبون أنفسهم أوصياء على الدولة وحرّاسًا للنظام والدستور!
الحذر… من جيل البعث المقنّع
إنّ أخطر ما نواجهه اليوم ليس البعثي الذي يعيش في ذاكرة الماضي، بل ذلك الذي ارتدى ثوب الحاضر، وأتقن لغة السياسة، واستثمر في فراغات المرحلة.
هو مستعد لمهاجمة الضعفاء، وتحييد الأقوياء، والمناورة مع من يرجّح كفة مصالحه.
فلا تأمنوا له إن حارب الإسلاميين، ولا تثقوا به إن خاصم الشيوعين ، فهو لا يملك مبدأ سوى البقاء.
وإن أبدى عداءً للدواعش، فذلك لا يمنعه من التحالف معهم سرًا إن رجحت لهم كفة السلاح.
إن أبناء البعث الجدد لا يهددون المجتمع بالسلاح، بل بخطاب مشوّه، ومظلومية مقلوبة، وعدالة انتقائية.
هم أولئك الذين يشوّهون الذاكرة الوطنية، ويطعنون الضحايا، ويكتبون التاريخ من جديد، بأقلام الجلادين.
فلنحذر من قناع البعث حين يُعاد لبسه باسم الوطنية.
Post Views: 223