
فاضل الحلو
ارجعي يا أم حسين، اتركي جرف النهر… فحسين ليس غائباً، بل في مهمة أخلاقية لا يعرفها إلا أبناء العراق حين يُختبرون في الوفاء.
لا تضغطي على ابنك الغريق، فهو يشعر بالخجل… لم يرد أن يطيل الغياب، لكنه حين نزل إلى الماء، وجد هناك من يشبهه كثيرًا: وجد وجوهًا غمرها النسيان، وأحلامًا ماتت غرقًا قبل أن تولد، وسمع نداءات أمهاتٍ لم يجفّ دمعهن منذ سنين.
جلس معهم حسين، ابن السماوة الغيور، يستمع إلى حكاياتهم، إلى الحزن الذي رافقهم، إلى الغربة التي جمعتهم في قاعٍ واحد.
لم يكن حسين غريقًا فقط… كان شاهداً على وطنٍ تتناوب عليه الفواجع، ووعدهم – كما يفعل الأبطال – أن لا يصعد إلى السطح حتى يُخرجهم جميعًا، واحدًا تلو الآخر.
ارجعي يا أم حسين، فابنك لم يمت… إنه الآن في عمق العراق، يطهر مياهه من الوجع، ينتشل الغارقين بصبر السماوة، ويجمع الحكايات ليعيدها إلينا حين يعود.
سيخرج قريبًا، لكن ليس كما ذهب: سيخرج مبللًا بالمجد، تسبقه دموع الأمهات من الموصل إلى البصرة، وترافقه زغاريد الكبرياء من الكاظمية إلى الأعظمية.
وحين يعود حسين، سنرفع علم العراق فوق الماء، علمٌ يشبه السماوة بلونها وصدقها، ونقول: هذا هو ابن العراق… الغريق الذي أنقذ الغارقين، وترك لنا درسًا في النُبل لا يُمحى.
*حسين شاب من أهالي السماوة يعمل في بغداد نزل قبل أيام للسباحة في نهر دجلة بمنطقة الكريعات ولم يعثر على جثته
Post Views: 190