
فاضل الحلو
قراءة في أزمة الذاكرة والقيادة وتشوّه المجال العام
في كل مرة نحاول فيها أن نفهم لماذا تتعثر تجربة الوعي في العراق، نصطدم بحقيقة مُرّة: أن الطريق الذي يفترض أن يقودنا إلى المستقبل، مغطّى ببقايا الماضي، وأن التجارب التي يحملها القادة معهم تتلاشى فور دخولهم المجال الجوي العراقي، كأنها غبار على أجنحة الذاكرة.
هذه العبارة ليست استعارة شعرية بقدر ما هي توصيف لآلية سياسية واجتماعية ونفسية معقدة، تتكرّر منذ عقود دون أن تجد طريقها إلى التحليل الجاد.
أولاً: الذاكرة المؤسَّسة على الألم لا تصنع مشروعاً
يمتلك العراق ذاكرة جمعية مثقلة بالحروب، الديكتاتورية، الحصار، الطائفية، والفساد. وهذه الذاكرة، بدلاً من أن تتحول إلى مادة وعي وإرادة تغيير، أصبحت سجناً نفسياً عاماً.
فالوعي الذي يُبنى على الخوف لا ينتج ثقة، والوعي الذي يتغذى على المظلومية لا ينتج مشروعاً، والوعي العالق في الماضي لا يمكنه رؤية المستقبل.
ولهذا، يعود العراقي – فرداً كان أو قائداً – إلى أنماط السلوك التي يعرفها جيداً: الانغلاق، العصبية، الولاءات الضيقة، والشكّ الدائم.
هكذا تُهزم أي خبرة حديثة مهما كانت متقدمة.
ثانياً: القادة… بين عالم تعلّموا فيه وعالم يتحكم فيهم
لا يمكن إنكار أن كثيراً من الشخصيات العراقية البارزة درست وعاشت في دول تمتلك أنظمة سياسية مستقرة ومؤسسات راسخة وثقافات وظيفية حديثة.
لكن الإشكال يبدأ حين يعود هؤلاء إلى بيئة لا تشبه ما عاشوه، فيجدون أنفسهم أمام:
-
شبكة مصالح أقدم من الدولة نفسها
-
ضغط اجتماعي يريد القائد “مُدافعاً” لا “مُصلحاً”
-
منظومات فساد تُجبر الداخل إليها على التكيّف أو الانسحاب
-
أحزاب تملك أدوات السيطرة أكثر مما تملك برامج الحكم
هنا، تتلاشى الخبرات المكتسبة في الخارج، ليس لعدم جدواها، بل لأن البيئة الداخلية تُذيبها كما يذيب الملحُ الماء.
ثالثاً: المجال العام العراقي… فوضى بلا عقد اجتماعي
المجال العام العراقي هشّ، منفلت، وغير قادر على إنتاج وعي جمعي مستقر.
والسبب أن قواعد اللعبة ليست واضحة:
-
الإعلام مشغول بالاستقطاب لا بالمعرفة
-
النخب الثقافية منقسمة بين الإحباط والانعزال والتبعية
-
المؤسسات التعليمية فقدت دورها كمنتج للوعي
-
المجتمع فاقد لإيمان حقيقي بقيمة الدولة
غياب “العقد الاجتماعي” يترك المجال العام بلا مرجعيات، فتسود ردود الأفعال لا المبادرات، ويعلو الصوت على الفكرة، وتصبح القوة أهم من القانون.
رابعاً: الدولة ككيان مُنهك… لا يملك طاقة إنتاج الوعي
الدولة العراقية، بمؤسساتها المتضاربة، تُشبه جهازاً كهربائياً يعمل بتيار متقطّع.
لا هي قادرة على صناعة سياسات طويلة الأمد، ولا هي قادرة على احتضان كفاءاتها، ولا تملك الأدوات اللازمة لفرض معايير مهنية أو إدارية موحدة.
إنها دولة منشغلة بإطفاء الحرائق، لا ببناء المستقبل.
ومثل هذا الواقع يجعل الوعي عملية معقدة:
فالوعي يحتاج إلى استقرار، إلى رؤية، وإلى دولة تمنح الفرد شعوراً بأن جهده لن يضيع في الفراغ.
خامساً: المجتمع بين إرث الانقسام ورغبة النجاة الفردية
المجتمع العراقي، المرهق من التجارب القاسية، يعيش حالة “نجاة فردية”.
كل فرد يبحث عن خلاصه الخاص: وظيفة، واسطة، حماية، مصلحة شخصية… وهذا طبيعي في بلد شهد كل هذه الهزّات.
لكن هذه العقلية تحرم المجتمع من إنتاج وعي جمعي قادر على دعم مشروع إصلاحي أو سياسي.
فالوعي بحاجة إلى “نحن”، لكن الواقع يدفع الناس نحو “أنا”.
سادساً: هل يمكن إصلاح مسار الوعي؟
نعم، ولكن لن يتم ذلك عبر القوانين ولا عبر الخطابات ولا عبر تغيير الوجوه وحده.
إصلاح الوعي في العراق يحتاج إلى:
-
نزع السياسة من المجتمع وإعادة بنائه بعيداً عن الاستقطاب.
-
إصلاح المدرسة والجامعة لتصبحا مصنعاً للوعي الحقيقي.
-
استعادة هيبة الدولة بوصفها مرجعاً لا طرفاً في الصراع.
-
تحويل الذاكرة من أداة للبكاء إلى أداة للفهم.
-
إعادة تعريف دور النخب بحيث تكون صانعة للمعنى لا مفسّرة للواقع فقط.
خاتمة: العراق لا يعاني نقصاً في العقول… بل في البيئة
حين نتساءل لماذا يتعثر الوعي في العراق، علينا أن نلتفت إلى أن المشكلة ليست في الإنسان بقدر ما هي في الإطار الذي يعمل داخله.
الخبرات التي تتلاشى في المجال الجوي العراقي ليست وهماً؛ إنها نتيجة طبيعية لبيئة سياسية واجتماعية تقاوم التغيير أكثر مما تحتضنه.
وحتى ننجح في بناء تجربة وعي حقيقية، علينا أولاً أن نعيد بناء البيئة التي تسمح له بالظهور—بيئة لا تبتلع العقول، ولا تذيب الخبرات، ولا تخاف من المستقبل.
Post Views: 144