
فاضل الحلو
نحن أبناء هذه الجغرافيا المتعبة، لا لأننا نعيش فوق أرضٍ أنهكتها الحروب فقط، بل لأن أرواحنا نفسها تجرّ خلفها ذاكرة من الخراب المتراكم. في كل مرة خسر فيها العراق معركة أو مدينة أو جيلاً كاملاً، كانت هناك خسارة أخرى أكثر هدوءاً وأقل انتباهاً: خسارة الخيال.
هذه الخسارة لا تُدوَّن في سجلات وزارة الصحة، ولا تُدرج ضمن إحصاءات ضحايا النزاعات، لكنها ـ في أثرها البعيد ـ أخطر من الدم الذي سال. فالدم يُجفّف، أما ضمور المخيلة فيظل يتسرب إلى الوعي الجمعي كمرض خفيّ.
الخيال… الفقد الذي لا نراه
لقد خسر العراقيون الخيال كما تُخسر الأرواح في الحرب: بصمت، بلا احتجاج، وبلا جنازات،كأن أحداً مدّ يده إلى أدمغتنا وقصّ تلك المساحة التي كانت قابلة للتحوّل إلى حديقة.
حديقة كان يمكن أن تزهر فيها أحلام بسيطة: مدينة نظيفة، مدرسة مزدهرة، شارع آمن، مسرح يصدح بالضحك، وطفل يحلم بأن يكون موسيقاراً لا مقاتلاً.
لكن تلك الحديقة لم تُزرع،ليس لأن الأرض عقيم، بل لأن المناخ الاجتماعي والسياسي ظلَّ قاسياً إلى درجة جعلت الخيال ترفاً، والحلم نوعاً من “قلة الواقعية”، والابتكار مغامرة محفوفة بالخسائر.
لماذا فقدَ العراقيون الخيال؟
1. تراكم الصدمات
من الحصار إلى الحروب إلى الارهاب والصراعات السياسية، عاش العراقيون عقوداً من الطوارئ. والطوارئ لا تسمح للعقل بأن يتخيّل، بل فقط بأن ينجو ، العقل الذي ينشغل بالبقاء لا يصنع فناً ولا يبتكر مستقبلاً.
2. الدولة التي لم تبنِ الإنسان
في بلدان أخرى تؤسس الدولة منصات للخيال: مدارس، مسارح، مكتبات، متاحف، برامج للشباب.
أما في العراق، فهذه المؤسسات موجودة شكلاً وغائبة فعلاً، أو محطّمة، أو رهينة للفساد وسوء الإدارة.
3. تحويل المجتمع إلى “مجتمع ردود الفعل”
نحن لا نخطط، بل ننتظر ما يحدث ثم نعلّق عليه ،لا نبتكر، بل نستهلك ،لا نتخيّل البديل، بل نتعايش مع القائم حتى لو كان مشوّهاً ، وهكذا يتآكل العقل الجمعي، ويتعلّم أن يتأقلم بدل أن يبدع.
4. الهجرة الداخلية والخارجية للعقول
العقل العراقي المبدع إما هاجر خارج البلاد، أو انسحب إلى داخله في صمت، مكتفياً بالأمان النفسي بدل الإنتاج.
وبين هذه وتلك، أصبحت البلاد أكثر فقراً بالخيال مما هي بالفقر المادي.
الخيال كقوة سياسية
ليست المخيلة مجرد ملكة أدبية أو فنية؛ إنها أداة سياسية أيضاً ، الخيال هو ما يسمح للشعوب بأن تتصور دولة عادلة قبل أن تبنيها، وأن تتخيل تعليماً راقياً قبل أن تصلحه، وأن ترى المستقبل قبل أن تصل إليه.
وبغياب الخيال، يهيمن الحاضر… والحاضر في العراق ثقيل، فوضوي، متشظٍ.
عندما لا يتخيل المواطن بديلاً، لن يطالب به. وعندما لا يحلم السياسي بمشروع، لن يصنعه.
ومع ذلك… ما زالت هناك فرصة
مع كل قتامة المشهد، يبقى عراق آخر موجوداً: عراق الشعراء والفنانين والطلبة والمبادرات الصغيرة التي تنمو على استحياء.
هذا العراق هو البذرة الباقية من تلك الحديقة التي لم تُزرع بعد، لكنه قادر ـ إذا وُجد من يسقيها ـ على أن تنهض.
الخلاصة
لقد خسرنا الخيال لأننا انشغلنا طويلاً بالخوف، لأن سنوات الحرب كانت أطول من سنوات التعليم، ولأن الواقع كان أكثر صخباً من الحلم.
ولكن الخيال لا يموت تماماً… هو فقط يختبئ.
وما يحتاجه العراق اليوم ليس فقط إصلاح البنى التحتية، بل إعادة بناء المخيلة الوطنية: مناهج تفتح الأفق، إعلام يصنع رؤية، ثقافة تشجع الإبداع، وسياسة تؤمن بأن المستقبل لا يُدار عبر الماضي فقط، بل عبر جرأة الحلم.
Post Views: 127