رئيس الوزراء في العراق: مأزق الاختيار بعد الانتخابات

0
102


فاضل الحلو

تُواجه العملية السياسية في العراق، بعد كل انتخابات برلمانية، معضلة شبه ثابتة تتعلّق بآلية اختيار رئيس مجلس الوزراء، وهي معضلة لا تنبع من فراغ، بل تتجذّر في طبيعة النظام السياسي القائم على مبدأ التوازنات المعقّدة. فالموقع التنفيذي الأهم في الدولة لا يُحسم عبر صناديق الاقتراع بشكل مباشر، وإنما من خلال ما يُعرف بـ«الكتلة البرلمانية الأكبر عدداً»، وفق ما يتيحه الإطار الدستوري القائم، وما يرافقه من تفسيرات وتأويلات سياسية وقانونية.

من الناحية الدستورية، أوكل الدستور العراقي مهمة تكليف رئيس مجلس الوزراء إلى الكتلة النيابية الأكبر داخل مجلس النواب. غير أن هذا النص، على وضوحه الظاهري، فتح الباب أمام إشكالات متكررة، بسبب غياب تعريف حاسم ومُلزم لمفهوم «الكتلة الأكبر»: هل هي الكتلة التي تتشكل قبل الانتخابات وتدخل بها، أم تلك التي تتكوّن بعد إعلان النتائج عبر التحالفات والاندماجات؟ هذا الالتباس تحوّل مع الوقت إلى أداة سياسية تُستَخدم في مفاوضات ما بعد الانتخابات، أكثر من كونه قاعدة دستورية مستقرة.

سياسياً، تعكس هذه المعضلة طبيعة النظام التوافقي الذي أُسِّس بعد عام 2003، حيث لم تُبنَ العملية السياسية على قاعدة الأغلبية الصريحة مقابل المعارضة، بل على منطق الشراكة الواسعة وتوزيع السلطة بين المكونات والقوى الرئيسية. ونتيجة لذلك، أصبح منصب رئيس مجلس الوزراء ثمرة تسويات شاقة، لا نتيجة تفويض انتخابي مباشر، ما يُضعف أحياناً من شرعية القرار التنفيذي، ويجعل الحكومة أسيرة التوازنات التي أفرزتها لحظة التشكيل.

وتزداد الإشكالية تعقيداً في ظل تعدّد الكتل وتشتت الأصوات داخل البرلمان، حيث نادراً ما تفرز الانتخابات كتلة واضحة قادرة على تشكيل الحكومة بمفردها. هذا الواقع يدفع القوى السياسية إلى الدخول في تحالفات ما بعد الانتخابات، غالباً ما تُبنى على المصالح الآنية أكثر من البرامج المشتركة، الأمر الذي ينعكس لاحقاً على تماسك الحكومة وقدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة.

كما أن غياب معارضة برلمانية حقيقية يُعدّ أحد نتائج هذه الآلية، إذ تميل أغلب القوى إلى الانخراط في السلطة خشية الإقصاء، ما يحوّل البرلمان من ساحة رقابة وتشريع فعّال إلى امتداد للتوافقات الحكومية. وفي ظل هذا المشهد، يصبح رئيس مجلس الوزراء مُقيّداً بتوازنات دقيقة، تفرض عليه إدارة شبكة معقّدة من المصالح، بدلاً من التركيز على تنفيذ برنامج حكومي واضح.

إن استمرار هذه المعضلة يطرح تساؤلات جدّية حول الحاجة إلى مراجعة الإطار الدستوري أو السياسي الناظم لعملية تشكيل الحكومة، سواء عبر تحديد أكثر دقة لمفهوم الكتلة الأكبر، أو عبر الانتقال التدريجي نحو نظام سياسي يعزّز مبدأ الأغلبية والمعارضة، بما يمنح العملية الديمقراطية وضوحاً أكبر، ويُحمّل الفائزين مسؤولية الحكم، ويُعيد تعريف دور الخاسرين في الرقابة والمساءلة.

وخلاصة القول، إن أزمة اختيار رئيس مجلس الوزراء في العراق ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة بنية سياسية ودستورية، تتكرر مع كل دورة انتخابية ما لم يُعاد النظر في قواعد اللعبة نفسها. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بإجراء الانتخابات، بل بقدرتها على إنتاج سلطة واضحة، مسؤولة، وقابلة للمحاسبة، وهو التحدي الأكبر الذي ما زال العراق يواجهه حتى اليوم.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here