بين الوهم والواقع: استحقاقات المرحلة المقبلة في العراق

0
16


فاضل الحلو

يخطئ من يعتقد أن المرحلة المقبلة ستحمل، فوراً، حلولاً سحرية لأزمات العراق المتراكمة، كتوفر فرص العمل، أو زيادة الرواتب، أو انخفاض سعر صرف الدولار، أو تحسّن سريع في المستوى المعيشي. فهذه التصورات، على الرغم من مشروعيتها كأمنيات شعبية، تصطدم بواقع اقتصادي ومالي معقّد لا يمكن القفز عليه بالشعارات أو النوايا الحسنة.

الواقع المالي للدولة العراقية يشير بوضوح إلى ميزانية شبه مثقلة، تعاني من ضعف في السيولة، واعتماد مفرط على مورد واحد، إلى جانب تراكم ديون داخلية وخارجية، بعضها مؤجل وبعضها الآخر يضغط على القرار الاقتصادي والسيادي، ويُضاف إلى ذلك فساد متجذّر في مفاصل مؤثرة من مؤسسات الدولة، ما أدى إلى استنزاف الموارد وتعطيل فرص التنمية الحقيقية.

كما يواجه العراق تحديات بنيوية لا تقل خطورة، أبرزها شحّ المياه وتداعيات التغير المناخي، وتراجع البنى التحتية الخدمية، وارتفاع نسب البطالة، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن اختلالات واضحة في النظام الإداري والاقتصادي، هذه العوامل مجتمعة تجعل أي حديث عن تحسّن سريع أو شامل حديثاً يفتقر إلى الواقعية.

إن الخروج من هذا المأزق يتطلب حزمة إصلاحات عميقة وجريئة، وهي إصلاحات قاسية بطبيعتها، لأنها ستلامس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر، سواء عبر إعادة هيكلة الدعم، أو ضبط الإنفاق، أو إصلاح النظام الضريبي، أو إعادة ترتيب أولويات الدولة، ولا يمكن إنكار أن هذه الإجراءات ستكون مؤلمة في بداياتها، إلا أن علاج الخراب المتراكم على مدى عقود لا يمكن أن يتم دون أثمان مرحلية.

صحيح أن العراق بلد غني بالموارد والثروات، لكن هذه الخيرات لا تُترجم تلقائياً إلى رفاهٍ عام، ولا تصل إلى الجميع بسهولة أو بسرعة، فهي تحتاج إلى وقت طويل، وإدارة كفوءة، ورؤية اقتصادية واضحة، ومؤسسات فاعلة، فضلاً عن بيئة سياسية مستقرة وإرادة سياسية صلبة تضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

وفي المقابل، لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح دون مساندة مجتمعية واسعة، قائمة على الوعي بحجم التحديات، والصبر على نتائج الإصلاح، والمشاركة في حماية المال العام، ومحاسبة الفاسدين، ودعم القرارات الصعبة متى ما كانت في الاتجاه الصحيح.

خلاصة القول، إن المرحلة المقبلة ليست مرحلة وعود سهلة، بل مرحلة اختبارات حقيقية. والنجاح فيها مرهون بالصدق مع المواطن، والشفافية في إدارة الدولة، والتوازن بين متطلبات الإصلاح وحماية الفئات الهشة، بعيداً عن الأوهام وقريباً من الواقع.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here