لعنة النفط ونقمة الثروة وتأثيرهما على الاقتصاد العراقي

0
2206

تحسين الزركاني ..
لعنة المرض الهولندي، التي تعرف بأنها تصيب البلدان الغنية بالثروات التي يعاني مواطنوها الفقر وتردي الأوضاع الاقتصادية، بسبب اعتماد حكوماتها على قطاع النفط والغاز مصدرا وحيدا لتنمية الاقتصاد، واهمال باقي القطاعات التي يمكن لها دعم الناتج المحلي وإيجاد فرص أخرى باستثمار العائدات النفطية في مشاريع مستدامة تضمن للمواطنين والاجيال القادمة دخلا ثابتا يؤمن لها الحياة الكريمة.
واعتمد العراق بشكل كامل منذ تأسيس الدولة العراقية، وحفر اول بئر في حقل كركوك في الـ30 من حزيران 1927 بحضور الملك فيصل الأول، على النفط مصدرا رئيسيا للطاقة، ليحتل 95% من اجمالي صادراته، مقابل 5% فقط من الجلود وباقي الصناعات المحلية، ليقع بذلك في أزمة حقيقية، وهبوط حاد بالنمو الاقتصادي في العام 2016 بعد انهيار وافلاس ميزانيته، جراء انخفاض أسعار النفط العالمية، بنسبة تجاوزت الـ65 %، من معدلات أسعاره للأعوام السابقة.
ولم يأتي تحرير التجارة الخارجية في العراق، ضمن سياقات عمل منهجية تنظم طرق إصلاح الاقتصاد، أو تبني حُزمة إجراءات تهدف إلى تحويل تدريجي، من اقتصاد مركزي إلى اقتصاد السوق للحد من التضخم، لكنه جاء بصورة متقطعة ومجزئة دون أن تسبقه أو تصاحبه إجراءات أخرى، من شانها الحد من الآثار السَلبية، لتحرير التجارة وتوسع المنافع الايجابية لها.
فإهمال القطاع الزراعي وسياسات التحرر التجاري على حساب الصناعة والزراعة أدت إلى وقف نَموه، وانخفاض نصيبه من إجمالي الناتج المحلي، وبالتالي تدني درجة الاكتفاء الذاتي من المنتجات الزراعية المحلية، الامر الذي أدى إلى إغراق السوق المحلية بالسلع الزراعية الغذائية المستوردة، لينعكس على إعاقة عملية الإنتاج لارتفاع الفجوة الغذائية التي توثر في التركيب المحصولي والأمن الغذائي لللبد. أضافة الى الفجوة بين الحاجة الفعلية والإنتاج المحلي من السلع الصناعية بسبب ضمور قطاع الصناعة واغراق السوق بالسلع المستوردة، دون اخضاعها الى نظام ضريبي يضمن للقطاع المحلي تطوير صناعاته ويتيح له منافسة المستورد، كما شكلت البِطالة أهم العقبات التي أثرت على برامج تحرير التجارة، وتسببت بقلق الحكومات كونها من أكثر المواضيع التي تؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني.
أن معظم الدول العربية المصدرة للنفط مثل الجزائر، العراق، الكويت، والسعودية لا تنوع صادراتها وتعتمد بصورة أساسية على العائدات النفطية، في ظل ارتفاع معدلات البطالة بشكل كبير في تلك البلدان خلال السنوات المنصرمة، إضافة إلى عجز الموازنة التي يرهق حكومات الدول المنتجة للنفط، فقد بلغ مستوى العجز في الموازنة العامة للمملكة العربية للسعودية، التي تعتبر من أكبر المصدرين للنفط إلى 20% في عام 2015. كما هو الوضع في الكويت التي تعتمد بنسبة تفوق الـ90% على الإيرادات النفطية. مع غياب الاعتماد على قطاعات الاستثمار والتجارة والصناعة والزراعة وغيرها، الأمر الذي يجعل أي انخفاض في أسعار النفط ينعكس مباشرة بصورة سلبية على الموازنة، ويؤدي إلى خلق أزمات اقتصادية في البلاد.
ولمعالجة الازمة والخلاص من (المرض الهولندي)، يتوجب على الدول المنتجة للنفط ومن بينها العراق، الابتعاد عن الحلول الجزئية المتمثلة بخطط التقشف وتقليل الإنفاق الحكومي، وفرض الضرائب والعمولات وخصخصة بعض الشركات. لتقليل الضرر في عجز الموازنة وتجميل المؤشرات الاقتصادية، فالوقاية من المرض لن تتم إلا بتطبيق إصلاحات جذرية شاملة، تتلخص بتنويع الموارد الاقتصادية، وتفعيل نظام ضريبي واضح المعالم، ومراعاة الشفافية في التعاقدات الحكومية، وإيجاد صندوق سيادي يؤمن للأجيال القادمة كرامة العيش، من خلال مشاريع مستدامة تسهم في تطبيق التنمية الاقتصادية والابتعاد عن تبيعة النفط.
فهولندا اليوم أصبحت واحدة من أهم القوى الاقتصادية في العالم، بعد أن تمكنت من التعافي بتحقيق التنوع الاقتصادي، الذي أسهم بخفض معدلات البطالة الى دون الـ5%، مقارنة بالدول الأوروبية، وارتفع معدل دخل الفرد السنوي الى نحو 45 ألف دولار، لتصبح صاحبة ثاني أعلى معدلات استثمار في قطاع الصناعات الزراعية، وأحد الدول الرائدة في تصنيع لحوم الدواجن واللحوم الحمراء والأجبان، كما أنها صنفت كخامس اقتصاد تنافسي في العالم لعام 2013.

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here