الرئيسية مقالات تأييد الممارسة بين التنظيم والإرهاق.. قراءة في إجراءات نقابة الصحفيين العراقيين

فاضل الحلو
لا يختلف اثنان على حق أي نقابة مهنية في تنظيم شؤون أعضائها والتأكد من استمرار ممارستهم للمهنة التي ينتمون إليها، فهذه إحدى الوظائف الأساسية للنقابات في مختلف دول العالم، لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول الإجراءات التنظيمية إلى أعباء بيروقراطية تثقل كاهل الأعضاء خصوصاً أولئك الذين أمضوا عقوداً طويلة في خدمة مهنتهم وأصبح تاريخهم المهني موثقاً ومحفوظاً لدى المؤسسة نفسها.
في الآونة الأخيرة أثيرت تساؤلات عديدة بشأن تكرار مطالبة أعضاء نقابة الصحفيين العراقيين بتقديم تأييد لممارسة المهنة بمن فيهم صحفيون مخضرمون تجاوزت سنوات عضويتهم في النقابة مدداً طويلة، ولديهم أرشيف مهني معروف ومثبت في سجلات النقابة ومؤسساتهم الإعلامية.
من حيث المبدأ قد يكون منطقياً مطالبة الصحفي الجديد أو من انقطع عن العمل الإعلامي لفترات طويلة بتقديم ما يثبت استمرار ممارسته للمهنة، فالنقابة معنية بالحفاظ على هويتها المهنية ومنع استغلال عضويتها من قبل أشخاص لا يمارسون العمل الصحفي فعلياً، لكن تطبيق المعيار نفسه على صحفي تجاوزت خدمته المهنية عشرات السنين يثير تساؤلات مشروعة حول جدوى الإجراء وأهدافه.
فالصحفي الذي يحمل هوية النقابة منذ سنوات طويلة، وتحتفظ النقابة بملفه الكامل وسيرته المهنية وتجديداته السابقة لا يحتاج في كثير من الأحيان إلى إثبات ما هو ثابت أصلاً، بل إن مطالبته بالحصول على كتب تأييد جديدة من مؤسسات إعلامية قد تتحول إلى عبء إداري ونفسي خاصة بالنسبة لكبار السن والمتقاعدين والعاملين بنظام الكتابة الحرة أو المستقلين.
المشكلة هنا ليست في مبدأ التنظيم بل في آلية التطبيق، فالإدارة الحديثة تقوم على قاعدة تبسيط الإجراءات والاستفادة من قواعد البيانات المتاحة لا على إعادة طلب الوثائق ذاتها من الأشخاص أنفسهم في كل دورة إدارية، وإذا كانت النقابة تمتلك سجلاً رقمياً متكاملاً لأعضائها فإن بإمكانها التمييز بين العضو الجديد الذي يحتاج إلى تدقيق، والعضو المخضرم الذي يمتلك تاريخاً مهنياً لا يحتاج إلى إعادة إثبات.
كما أن النقابات المهنية وجدت أساساً لخدمة أعضائها والدفاع عن حقوقهم وليس لإثقالهم بسلسلة من الإجراءات التي يمكن اختصارها بوسائل أكثر مرونة، فكلما كانت الإجراءات أبسط وأكثر احتراماً لسنوات الخدمة والخبرة زادت ثقة الأعضاء بمؤسستهم النقابية.
إن المطلوب ليس إلغاء الضوابط بل إعادة النظر في آليات تطبيقها بما يراعي الفوارق بين الأعضاء، فليس من المنطقي التعامل مع صحفي التحق بالنقابة قبل أشهر بالطريقة ذاتها التي يُعامل بها صحفي أفنى عمره في المهنة وكان شاهداً على مراحل طويلة من تاريخ الصحافة العراقية.
وفي النهاية فإن قيمة النقابة لا تقاس فقط بقدرتها على تنظيم شؤون أعضائها بل أيضاً بقدرتها على تقدير تاريخهم المهني واحترام سنوات عطائهم، فالتنظيم ضرورة لكن المرونة والاعتراف بالخبرة ضرورة لا تقل أهمية عنها.
وأخيراً، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من الدور التاريخي الكبير الذي اضطلعت به نقابة الصحفيين العراقيين على مدى عقود ولا من مكانتها بوصفها البيت المهني الجامع للصحفيين العراقيين والمدافع عن حقوقهم وحرياتهم، إنها دعوة صادقة للمراجعة والتطوير وتبسيط الإجراءات بما ينسجم مع مكانة الصحفي وتاريخه المهني ويعزز جسور الثقة بين النقابة وأعضائها، فالنقابة كانت وما زالت مصدر فخر للأسرة الصحفية العراقية وكل ما نأمله أن تبقى قريبة من أعضائها بقدر قربهم منها وأن تظل مظلةً تحفظ كرامة الصحفي وتُقدّر سنوات عطائه وخبرته، لأن الوفاء لأهل المهنة لا يقل أهمية عن الحفاظ على ضوابطها وتنظيم شؤونها.
Post Views: 32