
فاضل الحلو
منذ عام 2003 وحتى اليوم اعتاد العراقيون على مشهد يتكرر مع كل حكومة جديدة، فما إن يتسلم رئيس وزراء منصبه حتى تتصدر وسائل الإعلام عناوين عريضة تتحدث عن “الحرب على الفساد”، و”اجتثاث الفاسدين”، و”استرداد الأموال المنهوبة”، وكأن البلاد تقف على أعتاب مرحلة تاريخية ستنهي واحداً من أخطر التحديات التي واجهت الدولة العراقية الحديثة.
وفي الأسابيع الأولى من عمر كل حكومة، تظهر صور لمسؤولين أو موظفين يتم إلقاء القبض عليهم بتهم تتعلق بالفساد أو هدر المال العام، وترافق هذه الإجراءات حملات إعلامية واسعة تمنح الشارع جرعة من الأمل بأن عجلة الإصلاح بدأت تدور فعلاً.
لكن ما يلبث هذا الأمل أن يتراجع تدريجياً، لتعود الأمور إلى سابق عهدها، فالمشاريع تتعثر والخدمات تبقى دون المستوى المطلوب والبيروقراطية تزداد تعقيداً فيما يستمر نزيف المال العام بأشكال مختلفة، وبعد سنوات من الوعود يجد المواطن نفسه أمام السؤال ذاته: لماذا لا يتغير شيء؟
المشكلة لا تكمن في غياب التصريحات أو الحملات الإعلامية، بل في طبيعة المنظومة التي أنتجت الفساد وحمته طوال سنوات، فالفاسد في العراق ليس دائماً فرداً منعزلاً يمكن اعتقاله وإنهاء الملف، بل غالباً ما يكون جزءاً من شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية، تجعل من محاسبة الأشخاص أمراً غير كافٍ ما لم تترافق معه إصلاحات هيكلية عميقة.
لقد تحولت مكافحة الفساد في كثير من الأحيان إلى ملف إعلامي أكثر منه مشروعاً مؤسسياً متكاملاً. فالعبرة ليست بعدد المؤتمرات الصحفية ولا بعدد صور المعتقلين، وإنما بقدرة الدولة على بناء نظام رقابي مستقل، وقضاء قوي، وإدارة حكومية تعتمد الشفافية والمساءلة.
وإذا نظرنا إلى تجارب الدول التي نجحت في تقليص مستويات الفساد، نجد أنها لم تعتمد على الخطابات والشعارات، بل على إصلاحات طويلة الأمد شملت تحديث القوانين، وأتمتة الخدمات الحكومية، وتقليص الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية.
أما في العراق، فما زال المواطن يسمع الوعود نفسها منذ أكثر من عقدين، والنتيجة أن الفجوة بين العراق والعديد من دول المنطقة والعالم تتسع في مجالات التنمية والخدمات والبنى التحتية والاستثمار، فبينما تتجه دول كثيرة نحو الاقتصاد الرقمي والمدن الذكية والذكاء الاصطناعي، لا يزال العراقي منشغلاً بقضايا كان يفترض أن تُحسم منذ سنوات طويلة.
إن أخطر ما يسببه الفساد ليس خسارة الأموال فقط، بل تآكل ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها، فعندما تتكرر الوعود ذاتها دون نتائج ملموسة، يتحول التفاؤل إلى شك، والشك إلى إحباط، والإحباط إلى قناعة بأن التغيير أصبح مجرد شعار موسمي يتجدد مع كل حكومة.
ولهذا فإن العراقيين لم يعودوا ينتظرون خطابات جديدة عن مكافحة الفساد، بقدر ما ينتظرون نتائج حقيقية يمكن لمسها على أرض الواقع، فنجاح أي حكومة لا يقاس بعدد الملفات التي تعلن فتحها، بل بعدد الملفات التي تغلقها بأحكام عادلة وإصلاحات دائمة، وبقدرتها على تحويل مكافحة الفساد من شعار سياسي متكرر إلى ثقافة دولة ومؤسسات.
فالعراق لا يحتاج إلى حرب إعلامية جديدة ضد الفساد، بل إلى انتصار حقيقي ينعكس في حياة المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة.
Post Views: 15