
فاضل الحلو
في ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت الحرب تلتهم الإنسان العراقي بلا مقابل، لم يكن المشهد الثقافي بمنأى عن آلة الموت، بل كان في جزءٍ منه شريكًا صامتًا أو ناطقًا باسمها.
ظهر آنذاك ما يمكن تسميته بـ«أدباء السلطة»، أولئك الذين مرّغوا وجه الأدب في تراب الدعاية، وحوّلوا القصيدة والقصة إلى منشور تعبوي، لا يرى الإنسان إلا وقودًا، ولا يرى الوطن إلا منصة مديح.
لم تكن نصوص الحرب التي كتبها هؤلاء تعبيرًا عن مأساة أو محاولة لفهم الألم، بل كانت احتفالًا بالموت المجاني، وتبريرًا للخراب، وتلميعًا للطغيان، في الوقت الذي كان فيه الجنود يُدفنون بلا أسماء، والعوائل تُستنزف حتى الجوع، كان هؤلاء يتنعمون بامتيازات السلطة: نشر واسع في الصحف والمجلات، طباعة كتب على نفقة الدولة، مكافآت سخية، منح سنوية، ومقاعد ثابتة في المهرجانات والفعاليات الثقافية. الأدب، في تلك المرحلة، لم يكن حقلًا حرًا، بل كان وظيفة أيديولوجية.
ومع انتهاء الحرب وبداية سنوات الحصار القاسية، لم يُراجع كثير منهم مواقفهم، ولم يُظهروا أدنى حسّ أخلاقي تجاه ما عاشه الناس من جوع وذلّ وانكسار. ظل خطاب التمجيد حاضرًا، وإن خفت صوته أحيانًا، وبقيت اللغة ذاتها: لغة التبرير، والإنكار، والانفصال التام عن معاناة الشارع. كأن الثقافة كانت تعيش في فقاعة، لا تسمع صراخ الأمهات ولا ترى طوابير الخبز.
سقوط النظام كان، نظريًا، لحظة كاشفة. تبخّر كثير من «أدباء البعث» فجأة، واختفوا كما تختفي الشعارات عند أول اختبار. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في اختفائهم، بل في عودتهم لاحقًا، عودة هادئة في البداية، ثم أكثر جرأة، حتى وجدنا عددًا منهم يتصدر المشهد الثقافي من جديد، بلا اعتذار، بلا مراجعة، وبلا خجل، تغيّرت العناوين، تبدّلت المفردات، لكن الجوهر بقي نفسه: عقلية الوصاية، والبحث عن المنصة، والاستعداد الدائم للانحناء أمام أي سلطة.
المشكلة هنا لا تتعلق بحرية التعبير أو حق الفرد في الكتابة، بل بالسؤال الأخلاقي الذي لم يُجب عنه أحد: كيف يمكن لمن مجّد القتل والطغيان أن يعود مرجعًا ثقافيًا؟ كيف تُمنح المنابر لمن لوّثوا الأدب، بينما يُهمّش من كتبوا للإنسان، أو صمتوا رفضًا للكذب؟ إن غياب المحاسبة الثقافية جعل الذاكرة قصيرة، وفتح الباب أمام إعادة تدوير الوجوه ذاتها.
الثقافة ليست نصوصًا فقط، بل موقف. والأدب الذي ينفصل عن الإنسان يتحول إلى أداة، مهما كانت لغته منمّقة. ما يحتاجه العراق اليوم ليس إقصاءً أعمى، بل وعيًا نقديًا يعيد فرز التجربة الثقافية، ويميز بين من كتب تحت الإكراه ومن كتب بشغف للسلطة، بين من صمت خوفًا ومن صرخ مديحًا.
إن استعادة الأدب لدوره الحقيقي تبدأ من الاعتراف: اعتراف بأن ما كُتب لتبرير الموت لا يمكن أن يُعامل كنص بريء، وأن من خانوا الإنسان مرة، لا يُؤتمنون بسهولة على وعي الأجيال، فالثقافة التي لا تحاسب ذاكرتها، محكوم عليها أن تعيد أخطاءها… بصياغة جديدة فقط.
Post Views: 10