حين تتقدم الخيول المتعبة في السباق العراقي

0
7


فاضل الحلو

في الدول المستقرة تُقاس قيمة السياسي بما ينجزه من مشاريع، وبما يضيفه إلى حياة الناس من استقرار وفرص وعدالة، أما في البلدان المنهكة بالصراعات والأزمات، فغالباً ما تُقاس قيمته بقدرته على إثارة الضجيج، وإدارة الانفعالات، وصناعة الخصومات التي تُبقي الجمهور مشغولاً عن السؤال الأهم: ماذا تحقق فعلياً؟

ومنذ سنوات طويلة، يبدو المشهد العراقي وكأنه سباق لا ينتهي داخل الحلبة نفسها، الوجوه تتغير أحياناً والشعارات تتبدل لكن البنية العميقة تبقى على حالها، صراعات تُدار باسم الطائفة حيناً، وباسم الوطنية حيناً آخر بينما يبقى المواطن عالقاً بين وعود كبيرة وواقع يومي مثقل بالخدمات المتعثرة والبطالة والقلق من المستقبل.

في مثل هذه البيئات يصبح من السهل أن يتحول الفشل إلى بطولة إعلامية وأن يرتدي الانتهازي ثوب المخلّص الوطني وأن يُقدَّم الخراب بوصفه تضحية ضرورية من أجل الوطن، وهنا لا يعود السياسي مطالباً ببناء الدولة بل بإتقان فن البقاء داخل المشهد مهما كانت النتائج.

كان المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي يقول إن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما يحتضر العالم القديم بينما يعجز العالم الجديد عن الولادة. وفي هذه المنطقة الرمادية تظهر الكائنات السياسية المشوهة كلها؛ السياسي الذي يعيش على الانقسام، والخطيب الذي يحوّل الألم الشعبي إلى مادة تعبئة دائمة، والإعلامي الذي يستثمر الخوف أكثر مما يبحث عن الحقيقة.

ولهذا فإن أزمة العراق ليست مجرد ملف فساد أو إخفاق إداري رغم خطورة ذلك كله بل هي أزمة وعي سياسي واجتماعي تراكمت عبر عقود، أزمة مجتمع اعتاد التكيف مع الخلل حتى صار ينظر إليه باعتباره جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، فالمواطن الذي يفترض أن يحصل على الكهرباء والماء وفرصة العمل بوصفها حقوقاً دستورية، أصبح يشعر أحياناً وكأنها هبات موسمية مرتبطة بالمزاج السياسي أو بمواعيد الانتخابات.

وهنا تكمن خطورة تخفيض سقف التوقعات العامة حين يعتاد الناس على الحد الأدنى يصبح أي إنجاز بسيط حدثاً استثنائياً وتتحول الحقوق إلى أدوات ولاء سياسي لا إلى واجبات دولة تجاه مواطنيها.

كما أن الاحتجاج وحده رغم أهميته لا يكفي دائماً لإحداث التغيير إذا لم يمتلك مشروعاً واضحاً ورؤية قادرة على تفكيك البنية التي تنتج الأزمة، فالكثير من موجات الغضب في المنطقة العربية واجهت السلطة بعاطفة صادقة وشجاعة كبيرة لكنها لم تستطع بناء بديل مؤسسي متماسك، لذلك كانت الأنظمة قادرة على امتصاص الصدمة ثم إعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.

الخطر الحقيقي على أي سلطة ليس ارتفاع الأصوات بل ارتفاع الوعي، الوعي الذي يميز بين الدولة والغنيمة، بين الزعيم والموظف العام، بين الوطنية الحقيقية والمتاجرة بالعاطفة الوطنية.

والمفارقة المؤلمة أن الشخصيات الأكثر هدوءاً وكفاءة تبقى غالباً بعيدة عن الواجهة لأن السياسة في كثير من الأحيان لم تعد تكافئ النزاهة والخبرة بقدر ما تكافئ القدرة على الانسجام مع الرداءة العامة، فالخيول الأصيلة لا تجيد الركض داخل المستنقعات ولهذا تتقدمها أحياناً خيول أكثر ضجيجاً وأقل قيمة.

لكن التاريخ، مهما طال الوقت، لا يحتفظ بالضجيج وحده، ما يبقى في النهاية هو ما بُني للناس لا ما قيل لهم.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here