الرئيسية مقالات بين التمجيد المبكر واختبار الواقع… قراءة في المشهد السياسي

فاضل الحلو
في كل محطة مفصلية من مسار الحياة السياسية في العراق، يتكرر مشهد يكاد يكون مألوفاً: صمتٌ طويل يعقبه ضجيج مفاجئ، وأصواتٌ كانت غائبة تعود لتتصدر المشهد، لا بالنقد أو التحليل، بل بمديحٍ يسبق الحدث ويقفز فوق الوقائع.
ومع تداول اسم السيد علي الزيدي لتولي رئاسة مجلس الوزراء، بدا هذا النمط أكثر وضوحاً، فالرجل وقبل أن يباشر مهامه أو يعلن برنامجاً حكومياً، وجد نفسه محاطاً بموجة من الإشادة التي سبقت الفعل، ووضعت النتائج في مرتبة لاحقة، إن لم تكن غائبة تماماً.
هذا التسرّع في إطلاق الأحكام لا يعكس بالضرورة ثقةً بقدر ما يكشف عن إشكالية أعمق، تتعلق بثقافة سياسية تتبدل تبعاً للمواقع لا المبادئ. فالمواقف التي كانت بالأمس متحفظة أو ناقدة، تتحول فجأة إلى جوقات تأييد، تتنافس في تضخيم التوقعات وصناعة صورة مثالية لم تتشكل بعد على أرض الواقع.
المشكلة هنا لا ترتبط بشخصٍ بعينه، بل بمنهج يتكرر مع كل تغيير في مراكز القرار، إذ سرعان ما تبدأ الروايات في الظهور: من يقف خلف الترشيح، ومن يمتلك الفضل، ومن كان “صانع اللحظة”. وهي سرديات غالباً ما تنشغل بتقاسم الأدوار أكثر من انشغالها بمساءلة الأداء أو تقييم النتائج.
إن التجارب السياسية، محلياً ودولياً، أثبتت أن المديح المبكر لا يصنع إنجازاً، بل قد يخلق فجوة بين التوقعات والواقع، فالحكومات لا تُقاس بخطابات الترحيب، ولا تُختزل بكمّ الثناء، بل تُختبر بقدرتها على تقديم حلول ملموسة للتحديات التي تواجه المواطنين.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة إلى قدرٍ أكبر من التوازن في التعاطي مع التحولات السياسية، فالتريث في الحكم، ومنح الوقت الكافي لتقييم الأداء، هو ما يرسخ ثقافة سياسية ناضجة، تقوم على المحاسبة لا المجاملة، وعلى النتائج لا الانطباعات.
ختاماً، يبقى التاريخ السياسي لأي مسؤول مرهوناً بما يقدمه من إنجازات، لا بما يُكتب عنه في بداياته. وبين موجات المديح المتسارعة، تبقى الحقيقة البسيطة: الأفعال وحدها هي التي تتكلم، أما الكلمات، فسرعان ما تتبدل مع تغير المصالح.
Post Views: 10