الوشم / الوسم … طارق حرب وقطع صوان الأذن

0
3485

حكمت البخاتي …
الوشم / الوسم العلامة الدالة على عائدية الابل أو الغنم أو البقر لمالكها من القبائل والأفراد بين البدو وأصحاب الريف من العرب وهو تقليد إتبعه العرب في عصر الجاهلية وظل سائدا حتى عصر متأخر من أزمنتنا الحديثة ، والغاية من الوشم / الوسم هو تمييز جماعي للبهم الداجنة حتى لا تختلط المعرفة بها ويضل مالكها في تمييزها بعد الرواح من غدير أو كلأ .
والعرب تعرف أوشام / أوسام بعضها بعضا من القبائل والأفراد ويكون الوشم أحيانا تعبير في الشكل عن مضمون ديني أو اجتماعي مثل بعض الوشم الذي يكون على هيئة صليب مما يؤشر دينا مسيحيا كان يعتنقه أسلاف صاحب هذا الوشم وكان الوشم من الرسم على جلد البهم في أول أمره ويكون بالكي بالحديد والنار حاملا شارته الدينية أو الاجتماعية ، ويبدو أن البعض من أصحاب البهم الداجنة من القبائل والأفراد لجأ الى نوع آخر من الوشم / الوسم الخالي من التضمينات الدينية أو غيرها واكتفى بتشريح أذن البهيمة الداجنة إبلا أو غنما أو بقرا فتبدو الأذن بهيئة شريحتين وقد قطعت الى نصفين .
لكن طرأ تحول في استخدامات الوشم بقطع الأذن وصار سمة للبهم الداجنة المعاقبة على عمل يعد جرما اذا قامت به وهو الرعي في حقول الزرع العائدة لملّاك آخرين من القبائل والأفراد فصار الوشم / الوسم علامة دالة على العقوبة المعرضة لها البهم الداجنة بعد أن كان علامة دالة على العائدية ـ الملك ـ وتأتي تلك العقوبة تأديبا لها وانذارا الى مالكها وكان الغالب على قطع الأذن في البهم أنه يكون في الحمار والبقر وحصة الحمار منها اكثر .
وكانت العرب تأبى الوشم ـ الوسم على الجسد لأنه دالة على المعنى في البهم الداجنة بأنها مملوكة لصاحب الوشم / الوسم وهو ما تأباه نفوس العرب ، وأكثر ما تأباه العرب هو الوشم على الأنف وكانت ترى من العار الذي لا يندثر ان سيم أنف بالسيف فظهر الوشم عليه فالأنف رمز أعلى للجسد العربي ويعبرون عن الأنف بالحمى فيقولون ” أنوف حمية ” فاذا وسم الأنف سقطت هيبة الرجل وتداعت كرامته بين العرب .
وقد ابتكرت سياسة البعث ووسائل القهر لديه إهدار الكرامة وتعمد إسقاط الهيبة للإنسان العراقي ما أزال ماء الحياء من على جباه أعضاء الحزب ودكتاتوره كما يقول مثلنا العراقي الدارج ، ووسائل إهدار الكرامة والمساس بهيبة المواطن العراقي تدخل في استراتيجيات إدارة الحزب والدكتاتور للدولة العراقية وتدخل ايضا بالنسبة للدكتاتور في وسائل التنفيس عن الكبت والكراهية تجاه الشعب والمواطنين الذين لا يؤمنون بشخصه وفكره وخطيئته ، ونستدل على الغاية المبيتة بإهدار الكرامة العراقية ومع سبق الاصرار في ذلك بجملة من القوانين اللاشرعية التي أصدرها نظام الحكم الدكتاتوري في العراق وتحت يافطة قرارات مجلس قيادة الثورة والقاضية بقطع صوان الأذن والوشم / الوسم على الجبهة للإنسان العراقي كعقوبة لا إنسانية ولا قانونية بحق المتهمين بالهروب من الخدمة العسكرية لاسيما وقد جاء هذا القرار ذو الرقم 115 في 25 / 8 / 1994م الذي ينص على :
أولاً : يعاقب بقطع صوان الأذن كل من ارتكب جريمة :
أ – التخلف عن أداء الخدمة العسكرية .
ب – الهروب من الخدمة العسكرية .
ج – إيواء المتخلف أو الهارب من الخدمة العسكرية والتستر عليه .
ثانياً : يعاقب بقطع صوان الأذن الأخرى كل من عاد إلى ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في البند ( أولاً ) في هذا القرار .
ثالثاً : توشم جبهة كل من قطع صوان أذنه بخط أفقي مستقيم بطول لا يقل عن ثلاثة سنتمترات ولا يزيد عن خمسة وبعرض ملمتر واحد .
رابعاً : ينفذ قطع الصوان والوشم وفق تعليمات يصدرها ديوان الرئاسة لهذا الغرض .
خامسا : يعاقب بالإعدام رمياً بالرصاص من قبل الجهات المختصة كل من:
أ – هرب من الخدمة العسكرية ثلاث مرات .
ب – تخلف عن الخدمة العسكرية ثمّ هرب مرتين .
ج – آوى أو تستر ثلاث مرات على متخلف أو هارب من الخدمة العسكرية .
سادساً : يعدّ هارباً لأغراض تطبيق أحكام هذا القرار كل من غاب عن وحدته بدون عذر مشروع مدة تزيد على خمسة عشر يوماً .
سابعا :
أ – توقف الإجراءات القانونية بحق من سلم نفسه من مرتكبي جرائم التخلف والهروب خلال سبعة أيام من تاريخ صدور هذا القرار إلى الجهات التي تحددها تعليمات ديوان الرئاسة .
ب – تكون مدة الالتحاق المنصوص عليها في الفقرة ( أ ) في هذا البند ثلاثين يوماً لمن كان خارج العراق .
ثامناً: تسري أحكام هذا القرار على مرتكبي جرائم التخلف والهروب السابقة .على تاريخ نفاذه ممن لم يسلموا أنفسهم خلال المدة المنصوص عليها في البند ( سابعاً ) من هذا القرار .
تاسعاً : تحدد تعليمات ديوان الرئاسة الجهات المختصة التي تتولى تنفيذ أحكام هذا القرار .
عاشراً :
أ – ينفذ هذا القرار من تاريخ صدوره وحتى إشعار آخر.
ب – لا يعمل بأي ( نص ) يتعارض مع أحكام هذا القرار .
ثم أردف : وإكمالا له بالقرارذي الرقم 117في 25 / 8/ 1994م وقد نص على
أولاً :
أ – يمنع إزالة الوشم الذي تم نتيجة ارتكاب جريمة معاقب عليها بقطع اليد والأذن .
ب – يعاقب كل من قام أو ساعد على إزالة علامة الوشم أو أجرى عملية تجميل لليد أو الأذن المقطوعة بعقوبة قطع اليد أو الأذن مع الوشم حسب الأحوال .
ثانياً: تدوين عقوبة كل من عوقب يقطع اليد أو الأذن وعلامة الوشم في هوية الأحوال المدنية وشهادة الجنسية ودفتر الخدمة العسكرية والوثائق الرسمية الأخرى المتعلقة بإثبات الشخصية .
ثالثاً : تمحى الآثار المدنية والجزائية المترتبة على عقوبة قطع اليد أو الأذن والوشم إذا قام المعاقب بها بعمل وطني أو بطولي مشهود .
رابعاً : ينفذ هذا القرار من تاريخ صدوره وحتى إشعار آخر .
واذا كان الاعدام يشكل إعداما جسديا فإن قطع صوان الأذن والوشم على الجبهة يعد إعداما مأساويا نفسيا ومعنويا .
لكن إرادة الشعب وقواه المؤثرة تعاطفت بقوة الانسانية والعلاقة الأخوية والوطنية مع ضحايا هذه العقوبات الجائرة ولم ينظروا آثار الجريمة البادية على أجساد الضحايا بازدراء أو تقليل من الشأن الاجتماعي لهذه النخبة من العراقيين الشرفاء والوطنيين ، وعلى خلاف ما خطط له أو استهدفه النظام الدكتاتوري فقد عبّر أولئك الضحايا في نظر الشعب عن موقف وطني غيور وشريف برفض سياسات النظام وقرارته اللامسؤولة في الحرب والعدوان وكان التخلي عن الخدمة العسكرية ليس جبنا كما أراد النظام أن يثبت ذلك بل موقفا نبيلا وجريئا في مواجهة الدكتاتور بإزاء سياساته في التلاعب بحياة ومصائر الأفراد من العراقيين والشعب كافة .
وفي تلك الحمولة اللاانسانية واللاقانونية التي عبأ بها قراراته القاضية بالوشم / الوسم تكمن محاولته الخائبة بإهدار كرامة الانسان العراقي لكن هذا القرار / الوشم الصادم والمثير للجدل سيظل دائما هو الوشم / الوسم / العار على سلوك سياسي وشخصي مبتذل بقدر ابتذال الدكتاتور ومجموعة من فاقدي الشرف والفضيلة .
وفي أجواء إثارة الجدل الذي أحدثه القرار أمسينا نشهد اتهامات مستمرة للقانوني العراقي طارق حرب بوقوفه خلف هذا القرار وموضوع الاتهام هو اقتراحه على الدكتاتور سيء الصيت تنفيذ هذه العقوبة والمصادقة القانونية عليها والغريب في الأمر أن طارق حرب لم يرد على تلك الاتهامات أو يفندها مما زاد الشكوك في موقف حرب السياسي والقانوني وقد غذى القناعة بهذه الاتهامات لدى السجناء والمعتقلين السياسيين وشرائح واسعة من الشعب هو الحديث الاعلامي الذي يتداوله طارق حرب باستمرار ومطالبته بإلغاء قانون مؤسسة السجناء السياسيين واتهامه لهم بهدر المال العام وكأنهم ليسوا من أفراد هذا الشعب وهو يتجاهل وعن عمد حجم الضرر الذي ألحق بهذه الشريحة المضطهدة والذي جاء قانون المؤسسة رقم 4 لسنة 2006م المعدل بقانون رقم 35 لسنة 2013م ليجبر هذا الضرر ويتكفل بالتعويض لهم عن حقوقهم القانونية والسياسية التي حرمهم منها نظام الدكتاتور وهو ما فعلته كل الدول الديمقراطية التي خرجت حديثا من عنت وعسف الأنظمة الدكتاتورية وعبرت عنها بما أسمته المنظمة الأممية بمؤسسات العدالة الانتقالية.
ولكن مجرد كيل الاتهامات من جانب السجناء السياسيين والفئات المتعاطفة معهم من الشعب لا يفي غرضا ولا يرجع حقا ؛ بل لابد من الدليل والاثبات الموثق بما يتوافق وقوانين الدولة العراقية وأعراف المحاكم العراقية وهو ما يستوجب على شريحة السجناء والمعتقلين السياسيين و الأفراد المتضررين من هذا القرار الجائر أن يتقدموا الى المحاكم العراقية بهذا الاتهام وفي كنانتهم أدلتهم ووثائقهم حتى ينقطع الجدل ويحكم بالعدل في قرارات القطع والوشم وإلا فالكف عن الكلام أولى .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here