حين يفقد الإعلام دوره… ويتحول الصحفي إلى مروّج للسلطة

0
4


فاضل الحلو

تقوم الصحافة في جوهرها على وظيفة الرقابة والمساءلة وكشف الحقائق، فهي السلطة التي تراقب السلطات الأخرى، وتنقل هموم الناس وتسائل أصحاب القرار باسم الرأي العام، لكن المتابع للمشهد الإعلامي العراقي خلال السنوات الأخيرة يلاحظ ظاهرة مقلقة تتمثل في تحوّل عدد من الإعلاميين والصحفيين من موقع المراقب والناقد إلى موقع المصفق والمروّج للسياسيين.

فبدلاً من طرح الأسئلة الصعبة وملاحقة ملفات الفساد والتقصير، بات بعض الإعلاميين يكتفون بترديد الخطاب السياسي ذاته والدفاع عن المسؤولين أكثر مما يفعل المسؤولون أنفسهم، وهنا يفقد الإعلام وظيفته الأساسية ويتحول إلى أداة دعائية لا تختلف كثيراً عن المنصات الحزبية أو البيانات الرسمية.

إن المشكلة لا تكمن في تأييد إعلامي لسياسي أو مشروع حكومي معين فهذا حق مشروع في إطار حرية الرأي وإنما تكمن في غياب المسافة المهنية بين الصحفي والسلطة، فالصحفي الذي يتحول إلى جزء من ماكينة الترويج السياسي يفقد تدريجياً قدرته على النقد وتفقد معه الجماهير ثقتها بما يقدمه من محتوى أو معلومات.

وقد ساهمت عوامل عديدة في صناعة هذا الواقع منها ارتباط بعض المؤسسات الإعلامية بجهات سياسية أو اقتصادية نافذة فضلاً عن الإغراءات المالية والمناصب والعلاقات التي تجعل بعض الإعلاميين أقرب إلى السياسيين من قربهم إلى الشارع الذي يفترض أن يمثلوا صوته.

والنتيجة أن المواطن أصبح يشاهد في بعض البرامج والحوارات إعلامياً يمدح المسؤول مهما كانت الأخطاء ويبرر الإخفاقات مهما كانت واضحة ويهاجم المنتقدين بدل أن يناقش الوقائع والأرقام. وهنا يتحول الإعلام من سلطة رقابية إلى منصة للتسويق السياسي.

لكن وفي مقابل هذا المشهد لا يزال العراق يضم نماذج مهنية مشرفة من الصحفيين والإعلاميين الذين حافظوا على استقلاليتهم ورفضوا أن يكونوا جزءاً من معارك النفوذ أو أدوات للتلميع، هؤلاء هم الذين حافظوا على ما تبقى من ثقة الجمهور بالإعلام لأنهم وضعوا الحقيقة فوق المصالح والمواطن فوق المسؤول.

إن السياسي لا يحتاج إلى “مهاويل” بقدر ما يحتاج إلى إعلام مهني يكشف الأخطاء قبل أن تتفاقم وينقل الحقائق كما هي لا كما يراد لها أن تكون، فالدول تتقدم بالنقد المسؤول والمساءلة الجادة لا بالتصفيق المستمر وصناعة الصور المثالية.

وحين يستعيد الإعلام العراقي استقلاله الحقيقي ويعود الصحفي إلى موقعه الطبيعي بوصفه صوتاً للمجتمع لا صدىً للسلطة سيكون قد خطا خطوة كبيرة نحو استعادة دوره في بناء دولة المؤسسات والقانون.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here