الرئيسية مقالات إيران تقترب من انتصارها السياسي الأكبر في الشرق الأوسط

فاضل الحلو
في السياسة لا توجد صداقات دائمة، بل مصالح دائمة، وهذه القاعدة تبدو اليوم أكثر وضوحاً في التعاطي الأميركي مع الملف الإيراني، فالرئيس الأميركي دونلاند ترامب، الذي رفع في مراحل سابقة سقف شروطه تجاه طهران إلى حد المطالبة بتفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، بات اليوم أكثر واقعية في مقاربته، مدفوعاً بتغيرات دولية وإقليمية فرضت نفسها على المشهد.
إن حديث ترامب عن ضرورة دخول الصين وباكستان في المسار التفاوضي لا يمكن قراءته بمعزل عن إدراك واشنطن أن سياسة الضغوط القصوى لم تحقق أهدافها الكاملة، وأن إيران استطاعت خلال السنوات الماضية تثبيت معادلة جديدة تقوم على الصبر الاستراتيجي وتوسيع شبكة تحالفاتها الدولية، خصوصاً مع الصين وروسيا، فضلاً عن تنامي دورها الإقليمي في الشرق الأوسط.
ويبدو أن الإدارة الأميركية باتت تدرك أن خيار المواجهة الشاملة لم يعد مضمون النتائج، خاصة في ظل التوازنات الجديدة في آسيا، وصعود الصين كلاعب دولي منافس لواشنطن، ولهذا فإن إدخال بكين في أي تسوية محتملة مع إيران يمنح الاتفاق بعداً دولياً ويخفف من احتمالات انهياره مستقبلاً كما حدث بعد انسحاب ترامب نفسه من الاتفاق النووي عام 2018.
أما التراجع الأميركي عن شرط “تفكيك البرنامج النووي” إلى الاكتفاء بمنع تصنيع السلاح النووي، فهو تحول جوهري يكشف حجم التبدل في الحسابات الأميركية، فواشنطن باتت تدرك أن امتلاك إيران للمعرفة النووية والتكنولوجيا المتقدمة أصبح أمراً واقعاً لا يمكن محوه، وأن أقصى ما يمكن تحقيقه هو وضع ضوابط تمنع تحويل هذا البرنامج إلى مسار عسكري.
وفي المقابل، تؤكد إيران باستمرار أن برنامجها ذو طابع سلمي، مستندة إلى فتوى السيد الخامنئي التي تحرم إنتاج واستخدام السلاح النووي، وهي رسالة تحاول طهران من خلالها نزع الذرائع السياسية والأمنية التي تستخدمها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لتبرير التصعيد.
لكن رغم الحراك الدبلوماسي المكثف، تبقى أزمة الثقة هي العقدة الأساسية. فإيران لا تنظر إلى ترامب بوصفه شريكاً يمكن الركون إلى وعوده، بل تعتبره رئيساً متقلباً تحكمه الضغوط الداخلية، وعلى رأسها اللوبي الصهيوني والمصالح الإسرائيلية التي ترى في أي تقارب أميركي ـ إيراني تهديداً استراتيجياً لمكانتها في المنطقة.
وفي حال نجحت المفاوضات وتم التوصل إلى تفاهمات مستقرة، فإن الشرق الأوسط سيكون أمام مرحلة جديدة مختلفة تماماً، إذ ستتحول إيران إلى قوة اقتصادية وسياسية أكثر انفتاحاً وتأثيراً، وستتجه دول الخليج نحو بناء علاقات أكثر استقراراً مع طهران انطلاقاً من منطق المصالح المشتركة والأمن الإقليمي، خصوصاً بعد أن أثبتت سنوات الصراع أن الاستنزاف لا يصنع استقراراً دائماً.
ومع ذلك، فإن مستقبل هذه التفاهمات سيبقى مرهوناً بقدرة واشنطن على الالتزام بتعهداتها، وبمدى استعدادها للتعامل مع إيران بوصفها قوة إقليمية كبرى لا يمكن تجاوزها أو إخضاعها بسياسة العقوبات والتهديد فقط.
Post Views: 1