وزارة الأمن الاتحادي.. مشروع إصلاح أم هندسة جديدة للعراق

0
28


فاضل الحلو

بغداد وهاجس الأمن الجديد.. قراءة في توقيت زيارة بتريوس

استوقفت الأوساط السياسية والأمنية زيارة الجنرال الأميركي السابق ديفيد بتريوس إلى العراق، ليس لكونها زيارة بروتوكولية عابرة، بل لما رافقها من تسريبات وأحاديث عن مقترح استحداث “وزارة الأمن الاتحادي”، وهي فكرة تعود إلى الواجهة كلما دخل العراق مرحلة إعادة ترتيب التوازنات الداخلية والإقليمية.

إن الربط بين الزيارة وبين إعادة طرح هذا المشروع لا يبدو منفصلاً عن طبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة، ولا عن طبيعة الشخص الذي يحمل إرثاً ثقيلاً في الملف العراقي، سواء خلال قيادته القوات الأميركية أو عبر موقعه السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

فبتريوس ليس شخصية عسكرية تقليدية، بل يُنظر إليه بوصفه أحد مهندسي إعادة تشكيل البنية الأمنية العراقية بعد عام 2003، ولذلك فإن أي حراك يرتبط باسمه يُقرأ دائماً ضمن سياق أبعد من المجاملات السياسية.

فكرة “وزارة الأمن الاتحادي” بحد ذاتها تحمل أبعاداً حساسة، خاصة مع ما يُشاع عن ضم تشكيلات ذات ثقل ميداني وشعبي إليها، مثل هيئة الحشد الشعبي والشرطة الاتحادية وقوات حرس الحدود، وهذا الدمج إن صح  لا يمكن النظر إليه كخطوة إدارية فقط، بل كمشروع لإعادة هندسة المؤسسة الأمنية العراقية ضمن هيكل أكثر مركزية وتأثيراً.

المؤيدون للفكرة قد يطرحونها باعتبارها محاولة لإنهاء التداخل بين الصلاحيات الأمنية، وتوحيد القرار الميداني، وتقليل الازدواجية التي عانت منها الدولة خلال السنوات الماضية، غير أن المعارضين يرون فيها محاولة لإعادة صياغة موازين القوة داخل العراق، وربما خلق مؤسسة أمنية ضخمة تتجاوز في نفوذها الترتيبات التقليدية لوزارتي الدفاع والداخلية.

القلق الحقيقي لا ينبع فقط من مضمون الفكرة، بل من توقيتها والجهات التي يجري تداولها في الكواليس. فالعراق يعيش اليوم حالة توازن دقيق بين القوى السياسية والأمنية، وأي إعادة هيكلة بهذا الحجم قد تُفسَّر باعتبارها جزءاً من صراع النفوذ الإقليمي والدولي داخل البلاد.

كما أن الحديث عن هذا المشروع يتزامن مع تصاعد النقاش الأميركي حول مستقبل الوجود الأمني في العراق، والدور الذي ينبغي أن تلعبه القوى المحلية المسلحة في المرحلة المقبلة.

ومن هنا، فإن زيارة شخصية بحجم بتريوس تُثير بطبيعتها تساؤلات عن الرسائل غير المعلنة التي تحملها، خاصة وأن الرجل ارتبط اسمه سابقاً بمشاريع “إعادة بناء” المؤسسات الأمنية وفق الرؤية الأميركية.

في المقابل، لا يمكن إغفال أن العراق بحاجة فعلية إلى مراجعة بنيته الأمنية، لكن هذه المراجعة ينبغي أن تنطلق من رؤية وطنية عراقية خالصة، لا من تصورات تُطبخ خارج الحدود أو تُفرض تحت عناوين التنظيم والتطوير. فالمؤسسات الأمنية ليست مجرد تشكيلات إدارية، بل هي جزء من التوازن السياسي والسيادي للدولة.

ويبقى السؤال الأهم: هل ما يُطرح اليوم هو مشروع إصلاح أمني حقيقي، أم محاولة جديدة لإعادة تشكيل المشهد العراقي بأدوات أكثر هدوءاً وأقل ضجيجاً من سنوات الاحتلال الأولى؟

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here