الرئيسية مقالات بين الادعاء والسيادة.. قراءة قانونية في قضية محمد باقر السعدي

فاضل الحلو
في عالمٍ تُدار فيه الملفات السياسية والأمنية أحياناً بمنطق القوة لا بمنطق العدالة، تصبح الحقيقة أولى الضحايا، وتتحول التهم الجاهزة إلى أدوات ضغط عابرة للحدود، ومن هذا الباب تبرز قضية المواطن العراقي محمد باقر السعدي التي أُحيطت بسيلٍ من الاتهامات والقراءات السياسية قبل أن تُعرض على ميزان القضاء العادل أو تُستوفى شروط الإجراءات القانونية السليمة.
إن احتجاز مواطن عراقي في دولة أجنبية وتسليمه إلى جهة ثالثة، في ظل غياب الوضوح القانوني الكامل بشأن إجراءات التوقيف والتسليم، يثير تساؤلات جوهرية تتعلق بمبدأ السيادة الوطنية وحقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة، فالقانون الدولي لا يقوم على الاشتباه السياسي بل على الأدلة القطعية والإجراءات القضائية الواضحة التي تحفظ كرامة الإنسان وحقه في الدفاع عن نفسه بعيداً عن الضغوط الإعلامية والتوظيف السياسي.
لقد شهدت العقود الماضية العديد من القضايا التي وُجّهت فيها اتهامات خطيرة لأشخاص أو جهات، ثم تبيّن لاحقاً هشاشتها أو افتقارها للأدلة الكافية خصوصاً في الملفات المرتبطة بالإرهاب أو الصراعات الإقليمية، ومن هنا فإن التعامل مع قضية محمد باقر السعدي يجب أن ينطلق من قاعدة قانونية راسخة مفادها أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، لا أن يتحول الإعلام أو الخطاب السياسي إلى محكمة تصدر أحكامها مسبقاً.
أما الحديث عن ارتباطات مزعومة أو علاقات سياسية أو فكرية، فلا يمكن أن يكون بحد ذاته دليلاً قانونياً يدين أي شخص، ما لم يقترن بأدلة مادية دامغة تثبت تورطه المباشر في أفعال مجرّمة وفق القانون.
إن محاولة ربط الأفراد بأحداث أو شخصيات إقليمية كبرى بهدف صناعة صورة ذهنية للرأي العام لا يُغني عن ضرورة الالتزام بالقواعد القضائية الدولية التي تقوم على التحقيق المهني المستقل والحق الكامل في الدفاع.
كما أن إثارة هذه القضية بهذه الصيغة الإعلامية المكثفة يفتح الباب أمام مخاوف حقيقية من تسييس الملف، خصوصاً في ظل التعقيدات الإقليمية وتشابك المصالح الدولية في المنطقة، فالعراق الذي دفع أثماناً باهظة نتيجة الحروب والصراعات لا يمكن أن يقبل بأن يكون مواطنوه عرضة لتجاذبات سياسية تُدار خارج الأطر القانونية الواضحة.
إن الدفاع عن حقوق المتهم لا يعني تبني مواقفه أو الانحياز السياسي له، بل هو دفاع عن مبدأ العدالة ذاته. فالدول التي تحترم القانون لا تُدين الأشخاص عبر التسريبات والتوصيفات الإعلامية، وإنما عبر محاكمات عادلة وشفافة تستند إلى الأدلة لا إلى الانطباعات.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة القضائية وحدها هي الفيصل، أما الضجيج السياسي والإعلامي فلن يكون بديلاً عن العدالة، ولن يصنع حكماً عادلاً مهما ارتفع صوته.
Post Views: 17