مؤسسة السجناء توثق عودة يوسف العراق بعد غياب اربعين عاماً

0
316
تقرير / ثائر عبد الخالق ـ كاظم محمد …
ما نكتبه اليوم ليس من وحي الخيال ولا المتخيل وليس مسرحية كتبت فصولها في مقهى أو على الآلة الكاتبة قصتنا غيبت فيها الطفولة وعبث الأطفال وسنوات الدراسة وقصص الحب والمراهقة المبكرة والمحزن فيها لا وجود لعلاقة عائلية أو آسرية ، في قصتنا كل ما نستطيع قوله كبداية ثلاثة أشخاص طفلين وشيخ كبير وقور قادته تقواه إلى إن يتخذ قراره الملائكي بأن يرعى هذين الطفلين..لحظة زمانية ومكانية واحدة ( تمكين الزمان) كما يسمى في علم السرد ، لحظة لا تحكي عن انفعالات الأشخاص وعواطفهم بل تتحدث عن وجودها الحقيقي بمنظور واحد ، هي حوارية التيه : تدور أحداثها في الزمكانية المجردة لـ (أربعين) سنة تحكي جزئياتها سنوات (التيه) التي ابتدأت بظلم بشري وانتهت بقدرة غيبية ومعرفة وجودية… يقول احد النقاد ( لا وجود لقراءة عفوية تستند إلى حدود لا معرفية كي تنتج معرفة ، فأبسط الأحكام إنما تستند إلى فرضية سابقة وانطلاقا منها يمكن قول شيء عن شيء)
قال تعالى (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً )
وضعت مؤسسة السجناء السياسيين وعلى رأسها رئيس المؤسسة الدكتور حسين خليل السلطاني في أولويات عملها هو توثيق المرحلة لكي لا تطمس الحقائق وذلك من خلال الكتب التي أصدرتها المؤسسة بأقلام السجناء السياسيين وهي تحكي الواقع المر الذي عاشه السجين العراقي ،بالإضافة إلى إدراكه لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه كونه رئيسا لمؤسسة السجناء السياسيين معتبرا الوظيفة واجب أخلاقي لا تتم من خلالها إلا الأعمال العظيمة التي يستحقها السجناء السياسيون ، مؤكدا إن المعنى من ذلك هو تصديق الحقيقة بواقع الحقيقة ، فضلا عن الاهتمام بالواقع والذي تكون اللغة جزأ من إنتاجه كما يقول اللغوي الفرنسي الكبير (بينفنست) : إن اللغة تنتج الواقع .. فالواقع يتم إنتاجه من جديد عبر اللغة فالذي يتكلم يولد بخطابه الحدث والتجربة ، والذي يسمع أو يقرأ يلفظ الخطاب أولا ومن خلال الحدث الذي يصوره وهكذا فان الموقف الملازم لمارسة اللغة ، هو التبادل والحوار يضفي على فعل الخطاب وظيفة مزدوجة وتمثيل الواقع لدى المتكلم ، وإعادة تمثيله لدى المستمع ، فالخطاب يخلق الواقع وبنظم تجربة الحدث.
هذا وقد تم برعاية رئيس مؤسسة السجناء السياسيين الدكتور حسين السلطاني وبالتعاون مع العتبة العباسية المطهرة أقيمت احتفالية خاصة احتفاء بعودة الشهيد الحي فراس النجار بعد تغيب وتشريد أربعين سنة أقدم عليها جلاوزة النظام المباد على قاعة الإمام الحسن (عليه السلام) في العتبة العباسية المقدسة وبحضورر ممثل الأمين العام للعتبة العباسية المباركة الدكتور عباس رشيد الموسوي والسجين السياسي السيد أفضل الشامي من العتبة الحسينية المطهرة والشهيد الحي فراس والمديرين العامين في المؤسسة ومدير سجناء كربلاء وجمع غفير من السجناء السياسيين والعامة.
فيما ثمن الدكتور حسين السلطاني التضحيات التي قدمتها هذه الأسرة الكريمة ، مؤكدا إن القضية تختصر حقبة زمنية مظلمة من تاريخ العراق ، مبينا ضرورة اطلاع الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان ، فضلا عن عرض هذه الحقائق للأجيال وتوثيقها لكي لا تطمس الحقيقة .
وابتدأ الاحتفال بآي من الذكر الحكيم للقارئ ليث العبيدي من العتبة العباسية المطهرة ، تلاها النشيد الوطني ومن ثم نشيد العتبة العباسية وقراءة سورة الفاتحة ترحما على شهداء العراق وشهداء الحشد الشعبي المقدس.

بعدها ألقى ممثل الأمين العام للعتبة العباسية المقدسة الدكتور عباس رشيد الموسوي كلمته التي قال فيها :لقد شهدنا زوال جمهوريات الخوف ولمسنا شهادات حية على وحشيتها ، مؤكدا إن الله سبحانه وتعالى رسم المنهج في الكون وتوالد الرسل لكي لا تكون هناك حجة لأحد ، لافتا إلى توثيق هذه اللحظة في عمر الزمن لتعلن جذوة الأمل في الحياة الكريمة وأن تؤرخ لواقعة حقيقية .

فيما رحب الدكتور السلطاني بالحضور الكريم والشهيد الحي فراس وأسرته ، معربا عن احترامه وتقديره لهذه الأسرة المضحية ، منوها إن هذه الاحتفالية تعبير عن اهتمامنا بهذه القضية لأنها موضوع يحظى بغاية الأهمية دوليا وإنسانيا ، مبينا ضرورة اهتمام المنظمات الإنسانية والقنوات الإعلامية لهذه القضية ، كونها تؤرخ للحظة زمنية مظلمة من تاريخ العراق، موضحا إن الحكومات التي حكمت العراق قد انتهكت حقوق الإنسان بطريقة وأخرى لكنها لم تصل إلى قسوة النظام ألبعثي ألصدامي المباد تجاه الشعب العراقي
وأوضح الدكتور السلطاني في كلمته : إن جميع الأنظمة لا يحق لها معاقبة الشخص (الإنسان) بذنب غيره إلا نظام المجرم (صدام) كان لا يتردد في ترويع العوائل أو إبادتهم أو انتهاك حرماتهم ، كل ذلك بسبب مخالفة للرأي ، فضلا عن معارضة نظامه ، موضحا إن نظام البعث المقبور غيب الكثير من الشابات لكونهن يرتدين الحجاب الإسلامي ، متسائلا معاليه : ماهي مسؤوليتنا تجاه هذه الحقبة والجرائم التي أرتكبها البعث المجرم؟

قال الدكتور السلطاني : الجميع يتحمل الإجابة من أبناء الشعب العراق ولاسيما العوائل التي مورست ضدها الضغوطات ، داعيا إلى ضرورة توثيق تلك المرحلة والعذابات والظلم كل ذلك من أجل إن لا تتكرر هذه الحقبة المظلمة، مشيرا إلى إن هذه الحقبة المظلمة لها عناوين أخرى منها (داعش) وغيرهم ، مبينا إن الدمار الذي حصل سابقا والذي يحصل حاضرا كله يقف وراءه (البعث المجرم) بمختلف المسميات.
وبين رئيس المؤسسة : إن الخلاص من الحقبة الماضية جاء بعد إن سالت أنهار من الدم من خيرة أبناء العراق من العلماء والشهداء ، فضلا عن الكبت والحرمان ، منوها إلى ضرورة تحمل الشرائح المضحية الحفاظ على الدولة وهيكلتها، مبينا أن الأوضاع الحالية الحاصلة في البلاد لثلاثة عوامل ( الاحتلال ـ تأمر البعث ـ إخفاق القوى السياسية في إدارة الدولة)، موضحا إن معالجة هذا الواقع المرير يكون بموازة واحدة ، فهنالك ثلاث خيارات الأول : علينا إن نوقف عدم اللامبالاة ومواجهة الأمور بعدم الاهتمام والوقوف مكتوفي الأيدي، وهذا خلاف ما مطلوب منا ، فمن أصبح لا يهتم بأمور المسلمين ليس منهم، والخيار الثاني : أن نعيش الواقع ونطمح إلى الإصلاح وبنفس الوقت نعيش التذمر والانفعال دون الإصلاح وهذا السلوك أيضا خلاف ما أمر به الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى (الذين قالوا لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) ، أما الخيار الثالث : إن يتحمل المجتمع وشرائحه المضحية مسؤولياتهم في إصلاح الواقع، وهذا الخيار هو المنشود كونه من أهم التكاليف والواجبات الإسلامية. قال تعالى ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، وهذا الخيار مرة يكون واقعي ، ومرة يكون مجرد شعار وقد ميز لنا الإمام الحسين (عليه السلام) الفرق بين الاثنين عندما قال (ع) : ( أني ما خرجت اشرآ ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ، خرجت لآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر).
وأضاف السلطاني : إن الشعار المزيف بالإصلاح ينطلق من الانتقام وتصفية الحسابات بدافع الغرائز ، أما الإصلاح الصادق فينطلق من (المحبة) فهي التي تبني الإصلاح والتضحية من أجل الأخر.
وقد شكر معالي رئيس المؤسسة في ختام كلمته الأمانة العامة للعتبة العباسية المطهرة والقائمين عليها والراعين لهذا الحفل ، شاكرا اسرة المحتفى به المغيب فراس النجار، داعيا الله العلي القدير إن يبعد عن العراق وشعبه كل سوء.

وقالت السجينة السياسية سوريا عبد الكاظم في كلمتها أحتفاءا بعودة الشهيد الحي فراس النجار :حيث عبرت عن عجزها في الحديث عن تضحيات الشهداء والسجناء السياسيين كونها أكثر من إن تحصى ، فالكلمات تعجز عن ذكر مآثرهم ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، مبينة إن امرأة لديها أربع أخوة سجناء ، ونتيجة لحزن والدهم عليهم توفي الأب ، وكعادة العراقيين في الأحزان والأتراح يقدمون الواجب (مبالغ نقدية أو عينية) دعم لآسرة المتوفى ، فقد قام مجموعة من المعارف والأقارب بتقديم هذه الوجبات وتسجيلها في سجل قدم إلى عائلة المتوفى ، فشأت الأقدار إن يقع هذا السجل بيد رجال الأمن ، ليتم بعد ذلك بسجن جميع من كتب اسمه في السجل من المتبرعين، معتبريهم أعداء للثورة والحزب واتهموا بدعم حزب معادي لهم وتم سجنهم ، موضحة إن معتقل الزعفرانية للنساء كان يتم فيه ايداع الأم وأطفالها الرضع أو حديثي الولادة أو الحوامل ، والمعتقل عبارة عن قاعات غابت فيها كل الخدمات الإنسانية حيث كانت السجينات يفترشن الأرض الطافحة بالمياه الثقيلة في القاعة، لافتة عناية الحضور : إن ما نذكره من مواقف مؤلمة ليس من أجل الثأر بل من أجل إن لا تعاد الدكتاتورية.

فيما ذكر السيد حيدر الموسوي في كلمته قصة أخيه احمد وفراس ومشيئة الله إن يبقى احمد وفراس في ذاكرة العراقيين، حامدا الله سبحانه وتعالى الذي جعلهم شاهدين على جرائم الطاغية صدام، وسلوك المنظمات الإنسانية الغير إنسانية تجاه السجناء والمغيبين الأحرار، هذا وقد شكر السجينات السياسيات اللواتي عايشن الظلم والطغيان.

وقال الشيخ محمد النجار في كلمته نيابة عن آسرة الشيخ نعمة الكيطان وفراس النجار : إن البعث الكافر والدواعش عملة واحدة وهم الظلمة والطغاة على مدى التاريخ وبأشكال مختلفة ، داعيا مؤسسة السجناء السياسيين في تكملة معاملات الأخوة فراس واحمد ، شاكرا في الوقت نفسه المؤسسة وجهودها الطيبة .
وفي ختام الحفل تم منح درع المؤسسة إلى الأستاذ فراس النجار وتكريم عائلة الحاج المرحوم مهدي شمس التي احتضنت فراس واحمد ، كما تم إهداء باقة ورد للسجينة السياسية إيمان النجار.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here