
فاضل الحلو
لطالما قُدّمت شبكة Starlink، التي أطلقها إيلون ماسك، بوصفها ثورة في عالم الاتصالات، ومنظومة “غير قابلة للتعطيل”، تتجاوز سيادة الدول وحدود الجغرافيا، وتمنح الفضاء الرقمي استقلالًا مطلقًا عن إرادة الحكومات، غير أن ما حدث مؤخرًا في إيران شكّل لحظة فارقة، كسرت هذه السردية من جذورها، وأعادت تعريف موازين القوة في الفضاء الإلكتروني.
فبحسب تقارير تقنية متقاطعة، أصبحت إيران أول دولة تُثبت عمليًا قدرتها على التشويش المنهجي واسع النطاق على أقمار Starlink، ليس عبر الأسلوب التقليدي المتمثل بقطع الإنترنت المحلي، بل باستخدام أجهزة تشويش عسكرية متخصصة صُممت لتعطيل الاتصال المباشر بين المستخدمين والأقمار الصناعية منخفضة المدار.
النتائج كانت صادمة لمنظّري “الإنترنت غير القابل للسيطرة”، فقد ارتفعت نسبة التشويش خلال ساعات إلى ما يزيد على 80%، وهو رقم كارثي لأي شبكة يُفترض أنها مقاومة للتشويش ومحصّنة ضد التدخلات السيادية، هذا الرقم لا يشير إلى خلل عابر، بل إلى اختراق جوهري في فلسفة عمل المنظومة نفسها.
ما جرى يتجاوز مسألة تعطيل خدمة إنترنت. نحن أمام كسرٍ لأسطورة تقنية رُوّج لها طويلاً باعتبارها خارج نطاق الدول، وفوق أدواتها. لقد أثبتت التجربة الإيرانية أن الفضاء الرقمي، مهما بدا عابرًا للحدود، لا يزال خاضعًا لقوانين الصراع الدولي، وأن الأقمار الصناعية مهما ارتفعت تظل أهدافًا قابلة للتأثير حين تتوفر الإرادة والمعرفة التقنية.
الأهم من ذلك أن هذه الواقعة كشفت تحوّلًا نوعيًا في مفهوم الصراع. فالحروب القادمة لن تُخاض بالدبابات فقط، ولا بالصواريخ وحدها، بل بالإشارة، والتردد، والنبضة الإلكترونية. السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي باتت ساحة حرب قائمة بذاتها، ومن يمتلك أدواتها يمتلك القدرة على شلّ الاتصالات، وتفكيك الشبكات، وإعادة تشكيل الواقع المعلوماتي.
كما أن ما حدث يطرح تساؤلات استراتيجية كبرى حول مستقبل “الإنترنت الفضائي” ودوره في النزاعات السياسية. فإذا كانت دولة واحدة قادرة على تعطيل شبكة عالمية بهذه الكفاءة، فماذا يعني ذلك لبقية الدول؟ وهل ما زال من الممكن الحديث عن فضاء رقمي محايد، أم أننا أمام مرحلة جديدة من عسكرة الاتصال؟
في الخلاصة، لم تُعطّل إيران خدمة Starlink فحسب، بل أسقطت وهم السيطرة التقنية الأحادية، ووجّهت رسالة واضحة مفادها أن التفوق التكنولوجي لا يكون بالدعاية، بل بالقدرة على الفعل الميداني.
لقد انتهى زمن الادعاء بأن الفضاء الرقمي خارج متناول الدول، وبدأ زمن جديد تُعاد فيه كتابة قواعد القوة… ولكن هذه المرة بلغة الترددات لا الرصاص.
Post Views: 21