تصريحات ترامب وعودة القاعدة… العالم على حافة فوضى كبرى

0
26


د. أحمد صدام الساعدي

تصريحات ترامب الأخيرة من داخل إحدى القواعد العسكرية، وتهديداته العلنية لكلٍّ من الصين بشأن تايوان وروسيا بشأن أوكرانيا، لا يمكن قراءتها على أنها مجرد مواقف انتخابية أو خطابات حماسية للاستهلاك الداخلي، بل هي رسائل سياسية مباشرة تحمل في طياتها منطق القوة الصِرف، وتكشف عن رؤية أمريكية تعتبر العالم ساحة نفوذ خاضعة لإرادة واشنطن.

فعندما يربط ترامب بين أي دعم تقدّمه بكين أو موسكو لإيران وبين ردٍّ أمريكي حاسم، فإنه لا يتحدث بلغة التوازن الدولي أو الحوار، بل بلغة التهديد والعقاب، وكأن الدول الأخرى مجرد أطراف تابعة ينبغي أن تنصاع أو تُعاقب.

هذه اللهجة تعيد إلى الأذهان تاريخاً طويلاً من الحروب التي شُنّت بذريعة حماية المصالح الأمريكية، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، حيث دفعت الشعوب أثماناً باهظة من الدماء والدمار، بينما بقيت الشعارات تتحدث عن الحرية والديمقراطية.

إننا أمام عقلية إمبريالية صريحة ترى في القوة العسكرية والضغط الاقتصادي أدواتٍ مشروعة لإخضاع الآخرين، وهو ما يجعل العالم يعيش حالة قلق دائم، كأن الحرب احتمال قائم في كل لحظة.

وما يزيد خطورة المشهد أن التوتر بين القوى الكبرى يتزامن مع مؤشرات مقلقة على عودة التنظيمات المتطرفة إلى الواجهة، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة الذي ألمح في أحد خطاباته إلى حضوره من جديد، ولو بتصريح سريع ومقتضب، إلا أن دلالته كبيرة وخطيرة، لأنه يعني عودة بيئة الفوضى الأمنية التي يتغذى عليها الإرهاب.

فمثل هذه التنظيمات لا تنمو إلا في ظل الصراعات الدولية والتدخلات الخارجية والفراغ السياسي، وكأنها الوجه الآخر للفوضى التي تخلّفها الحروب. وما حدث من تفجيرات دموية استهدفت مسجداً شيعياً في باكستان قبل أيام ليس حادثاً معزولاً، بل مؤشر على أن نار الطائفية والإرهاب ما زالت تُستخدم لإشعال المنطقة وتمزيق نسيجها الاجتماعي، لتتحول دور العبادة إلى ساحات موت، والمدنيون إلى ضحايا صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

إن تلاقي خطاب الهيمنة الدولية مع عنف الجماعات المتشددة يصنع حلقة جحيمية تتكاثر فيها الحروب بالوكالة، وتتوسع فيها رقعة الخراب، وكأن العالم يُدفع عمداً نحو اضطراب دائم يخدم مشاريع السيطرة والنفوذ.

وهكذا تبدو طبول الحرب وكأنها تُقرع من أكثر من اتجاه، لا لتصنع أمناً أو استقراراً، بل لتكرّس واقعاً يحرق الأخضر واليابس ويجعل الإنسانية كلها رهينة لسياسات الاستعلاء والقوة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here