حين يتبدّل ميزان الهيبة

0
9


فاضل الحلو

في السياسة الدولية، لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من جيوش وقواعد فقط، بل بقدرتها على فرض روايتها وإقناع الحلفاء بصلابة موقفها. لكن في خضم المواجهة الأخيرة في الشرق الأوسط، بدا أن صورة الولايات المتحدة تعرضت لاختبار صعب، وأن الخطاب الذي طالما قدّم واشنطن كحارسٍ مطلقٍ لأمن المنطقة لم يعد مقنعاً كما كان في السابق.

فخلال سنوات طويلة، اعتُبر الوجود العسكري الأميركي في الخليج ضمانة أساسية للأمن والاستقرار. القواعد، الأساطيل، والتحالفات العسكرية كانت تمثل جزءاً من معادلة الردع في مواجهة التهديدات الإقليمية. غير أن التطورات الأخيرة أظهرت مفارقة لافتة: دول المنطقة باتت أكثر اعتماداً على قدراتها الذاتية، فيما بدا الدور الأميركي أقل وضوحاً وأشد تردداً.

التصريحات المتناقضة التي صدرت عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبعض المسؤولين في إدارته أعطت انطباعاً بوجود ارتباك في إدارة الأزمة. فمرة يجري الحديث عن رد حاسم، ومرة أخرى عن رغبة في تجنب التصعيد. وبين هذين الخطابين، وجد الحلفاء أنفسهم أمام أسئلة صعبة حول اتجاه السياسة الأميركية في المنطقة.

في هذا السياق، ارتفعت أصوات في واشنطن تطالب الحلفاء العرب بمواقف أكثر وضوحاً، وكان من أبرزها تصريحات السيناتور ليندسي غراهام التي بدت أقرب إلى الضغط العلني على دول الخليج للانخراط في المواجهة. غير أن هذا النوع من الخطاب يعكس تحوّلاً في طبيعة العلاقة: من شراكة أمنية تقليدية إلى محاولة نقل عبء الصراع إلى حلفاء المنطقة.

المفارقة هنا أن دول الخليج، التي لطالما اعتُبرت ضمن مظلة الحماية الأميركية، أصبحت في نظر كثير من المراقبين طرفاً يسهم في حماية المصالح الأميركية نفسها من خلال الاستقرار الاقتصادي والطاقة والتوازنات الإقليمية. وهذا يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة التحالفات: هل هي علاقة حماية، أم شبكة مصالح متبادلة تتغير مع تغير الظروف؟

الأهم من ذلك أن ما جرى أعاد طرح سؤال المصداقية في الخطاب السياسي الأميركي. فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي إذا لم يرافقها وضوح في الرؤية وثبات في الرسائل. وعندما تتضارب التصريحات بين البيت الأبيض والبنتاغون، فإن ذلك يترك أثراً مباشراً في ثقة الحلفاء وقراءة الخصوم على حد سواء.

الشرق الأوسط، الذي كان لسنوات طويلة ساحة نفوذ أميركي شبه مطلق، يدخل اليوم مرحلة مختلفة. فالتوازنات تتغير، والقوى الإقليمية أصبحت أكثر جرأة في اختبار حدود القوة الأميركية. وفي ظل هذا المشهد المتحرك، لم يعد السؤال من يملك القوة الأكبر فقط، بل من يستطيع إدارة الأزمات بقدر أعلى من الاتساق والمصداقية.

قد تكون المواجهة الأخيرة مجرد محطة في سلسلة طويلة من الصراعات، لكنها كشفت شيئاً مهماً: الهيبة الدولية لا تُفقد بضربة واحدة، لكنها قد تتآكل تدريجياً حين تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here